الرئيسية / الثقافة / من أسرار النظم القرآني في سورة العلق للدكتور / محمد بن علي بن درع

من أسرار النظم القرآني في سورة العلق للدكتور / محمد بن علي بن درع

صحيفة عسيـر :

من أسرار النظم القرآني في سورة العلق
للدكتور / محمد بن علي بن درع
*= السورة مكية بالاتفاق , وآياتها تسع عشرة آية , وكلماتها اثنتان وتسعون كلمة , وحروفها مائتان وثمانون حرفاً .
*= اشتهرت تسمية هذه السورة باسم سورة ( اقرأ باسم ربك ) , وسميت في المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة العلق ) لوقوع لفظ { العلق } في أوائلها .
*= ولما ذكر فيما قبلها خلق الإنسان في أحسن تقويم ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك ذكره هنا منبهاً على شيء من أطواره وذكر نعمته عليه ثم ذكر طغيانه بعد ذلك وما يؤول إليه حاله في الآخرة .
*= وأغراضها تلقين النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – القرآن وتلاوته إذ كان لا يعرف التلاوة من قبل . والإيماء إلى أن علمه بذلك ميسر ؛ لأن الله الذي ألهم البشر العلم بالكتابة قادر على تعليم من يشاء ابتداء . وتوجيهه إلى النظر في خلق الموجودات وخاصة خلق الإنسان خلقاً عجيباً مستخرجاً من علقة فذلك مبدأ النظر وتهديد من كذب النبي – صلى الله عليه وسلم – وتعرض ليصده عن الصلاة والدعوة إلى الهدى والتقوى . وإعلام النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الله عالم بأمر من يناوونه وأنه قامعهم وناصر رسوله وتثبيت الرسول –صلى الله عليه وسلم – على ما جاءه من الحق والصلاة والتقرب إلى الله , وأن لا يعبأ بقوة أعداءه لأن قوة الله تقهرهم .
*= وافتتاح السورة بقوله تعالى (( اقرأ باسم ربك الذي خلق )) إيذان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم – سيكون قارئاً أي تاليا كتاباً بعد أن لم يكن قد تلا كتاباً , قال تعالى (( وما كنت تتلو من قبله من كتاب )) أي من قبل نزول القرآن , وفي هذا براعة استهلال للقرآن .
*= والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال , وهذا ينبئ بأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما قال له جبريل بعد الغطة الثالثة (( اقرأ باسم ربك الذي خلق ….))الآيات الخمس قد قراها ساعتئذ , ويدل على ذلك قول عائشة – رضي الله عنها – { فرجع بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرجف بها فؤاده }
*= وعلى هذا الوجه يكون قول الملك له في المرات الثلاث { اقرأ } إعادة للفظ المنزل من الله إعادة تكرير للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل .
*= وأمر الله رسوله – صلى الله عليه وسلم –بالقراءة ولكن لا برسوم الناس في القراءة , وهي سابقية التعلم في أن يقع , فانت يا محمد ستقرأ على غير طريقة الناس لأن طريقة الناس في القراءة تكون بالأسباب المتقدمة على القراءة , وأنت ستقرأ لا بالأسباب , ولكن بإرادة مسبب الأسباب الذي لا يحتاج في إيجاد الأشياء إلى سبب .
*= ولم يذكر لفعل { اقرأ } مفعول , إما لأنه نزل منزلة اللازم وأن المقصود أوجد القراءة , وإما لظهور المقروء من المقام , وتقديره : اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن .
*= ويجوز أن تكون الباء للاستعانة , أي قل باسم الله , فيتعلق الباء بمحذوف تقديره : ابتدئ , أو يتعلق بـ { اقرأ } الثاني فيكون تقديمه على معموله للاهتمام بشأن اسم الله .
*= ويجوز أن تكون الباء للمصاحبة , ويكون المجرور في موضع الحال من ضمير { اقرأ } الثاني مقدماً على عامله للاختصاص , أي اقرأ ما سيوحى إليك مصاحباً قراءتك اسم ربك . وهو ظاهر في أنه لو افتتح بغير اسمه – عز وجل – لم يكن ممتثلاً .
*= وعدل عن اسم الله العلم إلى صفة (( ربك )) لما يؤذن وصف الرب من الرأفة بالمربوب والعناية به , وجاء الخطاب (( ربك )) ليدل على الاختصاص والتأنيس أي : ليس لك رب غيره . وفي الإضافة أيضاً إيذان بأنه المتفرد بربوبيته عنده .
*= وجيء في وصف الرب بطريق الموصول { الذي خلق } لأن في ذلك استدلالا على انفراد الله بالإلهية لأن هذا القرآن سيتلى على المشركين لما تفيده الموصولية من الإيماء إلى علة الخبر , وإذا كانت علة الإقبال على ذكر اسم الرب هي أنه خالق دلّ ذلك على بطلان الإقبال على ذكره غيره الذي ليس بخالق .
*= قال أبو حيان : (( ثم جاء بصفة الخالق وهو المنشئ للعالم لما كانت العرب تسمي الأصنام أرباباً أتى بالصفة التي لا يمكن شركة الأصنام فيها . ولم يذكر متعلق الخلق أولا فالمعنى أنه قصد إلى استبداده بالخلق فاقتصر أو حذف إذ معناه خلق كل شيء ..))
*= وجملة (( خلق الإنسان من علق )) يجوز أن يكون بدلاً من جملة (( الذي خلق )) بدل مفصل من مجمل إن لم يقدر له مفعول , أو بدل بعض إن قدر له مفعول عام .
*= وسلك طريق الإبدال لما فيه من الإجمال ابتداء لإقامة الاستدلال على افتقار المخلوقات كلها إليه تعالى لأن المقام مقام الشروع في تأسيس ملة الإسلام . ففي الإجمال إحضار للدليل مع الاختصار مع ما فيه من إفادة التعميم ثم يكون التفصيل بعد ذلك لزيادة تقرير الدليل .
*= ويجوز أن يكون بياناً من (( الذي خلق )) إذ قدر لفعل ( خلق ) الأول مفعول دلّ عليه بيانه فيكون تقدير الكلام : اقرا باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق .
*= وخص خلق الإنسان { اسم جنس } بالذكر من بين بقية المخلوقات لأنه المطرد في مقام الاستدلال ففي خلقه بدائع الصنع والتدبير . وفيه تعريض بتحميق المشركين الذين ضلوا عن توحيد الله . وأتى به دالاً على الجمع لأن الإنسان مراد به الجنس فهو في معنى الجمع فأتى بما خلق منه كذلك ليطابقه مع ما في ذلك من رعاية الفواصل .
*= والعلق جمع علقة – دم جامد – فلذلك جاء{ من علق } ومن ابتدائية . وفي تخصيص هذا الطور ( من علق ) من بين سائر أطوار الفطرة الإنسانية من كون النطفة والتراب إشارة إلى ما ينطوي في أصل الخلقة من بديع الأطوار والصفات الدالة على كمال قدرة الله تعالى .
*= وقيل : إنما ذكر مَنْ { خلق } { من علق } لأنهم مقرّون به , يشهدونه , ولم يذكر أصلهم آدم لأنه ليس متقرراً عند الكفار فيسبق الفرع وإنما هذا الأصل الغيبي خاضع لإعلام الله لهم وإخبارهم به , ولذا ترك أصل الخلقة تقريباً لأفهامهم قال تعالى : (( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ))
*= ولما كان خلق الإنسان أول النعم الفائضة عليه منه تعالى وأقدم الدلائل الدالة على وجوده عز وجل وكمال قدرته وعلمه وحكمته وصف ذاته تعالى بذلك أولاً ليستشهد الرسول – عليه الصلاة والسلام – به على تمكينه تعالى له من القراءة
*= ثم جاء الأمر ثانياً تأنيساً وتأكيداً للأمر الأول للاهتمام بهذا الأمر كأنه قيل : امض لما أمرت به وربك ليس مثل هذه الأرباب بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص
*= و( ربك الأكرم ) معطوفة على جملة ( اقرأ باسم ربك ) فلها حكم الاستئناف البياني . و { الأكرم } صفة تدل على المبالغة في الكرم إذ كرمه يزيد على كل كرم ينعم بالنعم التي لا تحصى , ووصف ( الأكرم ) هنا مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم وليس مصوغاً للمفاضلة فهو مسلوب المفاضلة . إذن هناك فرق بين صيغة { الكريم } وبين صيغة { الأكرم } فالكريم هو الذي يلهمك الأسباب فتتعلم بها , والأكرم هو الذي يعلمك بلا وجود لهذه الأسباب . فتدبر
*= ومفعولا (( علّم بالقلم )) محذوفان دلّ عليهما قوله : ( بالقلم ) وتقديره : علّم الكاتبين , أو علم ناساً الكتابة . وتخصيص هذه الصلة بالذكر وجعلها معترضة بين المبتدأ { وربك الأكرم } والخبر { علّم الإنسان ما لم يعلم } للإيماء إلى إزالة ما خطر ببال النبي – صلى الله عليه وسلم – من تعذر القراءة عليه لأنه لا يعلم الكتابة فكيف القراءة ؛ فالمعنى أن الذي علم الناس الكتابة بالقلم والقراءة قادر على أن يعلمك القراءة وأنت لا تعلم الكتابة
*= وتعريف الإنسان للجنس , وأشعر قوله : ( ما لم يعلم ) أن العلم مسبوق بالجهل , وفي الاقتصار على أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالقراءة ثم إخباره بأن الله علم الإنسان بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للرسول – صلى الله عليه وسلم – لأنها وصف مكمل لإعجاز القرآن .
*= وفي حذف مفعول { يعلم } وإيراده بعنوان عدم المعلومية من الدلالة على كمال قدرته وكمال كرمه والإشعار بأنه تعالى يعلمه من العلوم مما لا تحيط به العقول ما لا يخفى .
*= وقد جمعت هذه الآيات الخمس أصول الصفات الإلهية فوصف الرب يتضمن الوجود والوحدانية , ووصف ( الذي خلق ) ووصف ( الذي علم بالقلم ) يقتضيان صفات الأفعال , ووصف ( الأكرم ) يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص .
*= وقوله تعالى : (( كلا إن الإنسان ليطغى )) استئناف ابتدائي لظهور أنه في غرض لا اتصال له بالكلام الذي قبله . وجملة (( أن رآه استغنى )) مفعولاً من أجله , أي يطغى لأن رأى نفسه مستغنياً , على أن جملة { استغنى } مفعول ثان لرأى لأنه بمعنى { علم } ولذلك ساغ كون فاعله ومفعوله ضميري واحد . وتعليل طغيانه برؤيته لا بنفس الاستغناء للإيذان بأن مدار طغيانه عملُه الفاسد .
*= وحرف { كلا } ردع وإبطال لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن لم يتقدم بذكره لدلالة الكلام عليه , وليس في الجملة التي قبلها ما يحتمل الإبطال والردع بل مفتتح السورة إلى هذا المقطع يدل على عظيم منته تعالى على الإنسان , فوجود { كلا } في أول الجملة دليل على أن المقصود بالردع ما تضمنه قوله تعالى : (( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ))
*= والتعريف في { الإنسان } للجنس , واللام للاستغراق العرفي , وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد زيادة تحقيقه لغرابته حتى كأنه مما يتوقع أن يشك السامع فيه .
*= والرجعى في قوله : (( إن إلى ربك الرجعى )) بمعنى الرجوع مصدر على وزنفعلى كالبشرى , والألف فيه للتأنيث , والجملة معترضة بين المقدمة والمقصد والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم , أي مرجع الطاغي إلى الله , وهذا موعظة وتهديد على سبيل التعريض لمن يسمعه من الطغاة , وتعليم للنبي – صلى الله عليه وسلم –وتثبيت له , أي لا يحزنك طغيان الطاغي فإن مرجعه إليّ , وهو موعظة للطاغي بأن غناه لا يدفع عنه الموت , وفيه معنى آخر وهو أن استغناءه غير حقيقي لأنه مفتقر إلى الله في أهم أموره .
*= وتأكيد الخبر بـإنّ مراعى فيه المعنى التعريضي لأن معظم الطغاة ينسبون هذه الحقيقة بحيث ينزلون منزلة من ينكرها . وتقديم ( إلى ربك ) على ( الرجعى ) للاهتمام والاختصاص .
*= وجملة (( أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلّى )) إلى آخرها هي المقصود من الردع الذي أفاده حرف ( كلا ) فهذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً متصلاً باستئناف جملة ( إن الإنسان ليطغى ) , و( أرأيت ) كلمة تعجيب من حال , تقال للذي يعلم أنه رأى حالاً عجيبة , والرؤية علمية , أي أعلمت الذي ينهى عبداً , والمستفهم عنه هو ذلك العلم , والمفعول الثاني لـ ( أرأيت ) محذوف دلّ عليه قوله في آخر الجمل ( ألم يعلم بأن الله يرى ) والاستفهام مستعمل في التعجيب , والخطاب في ( أرأيت ) لغير معين .
*= ولم تعطف الأخيرة على ما قبلها للإيذان باستقلالها بالوقوع في نفس الأمر , وباستتباع الوعيد الذي ينطق به الجواب . وأما ما قبلها فأمر الشرط فيه ليس إلا لتوسيع الدائرة وهو السر في تجريده عن الجواب والإحالة به على جواب الشرطية بعده .
*= والمراد بالعبد النبي – صلى الله عليه وسلم – وإطلاق العبد هنا على معنى واحد من عباد الله أي شخص , وتنوينه للتفخيم واستعظام النهي وتأكيد التعجيب منه , والمعنى أخبرني عن ذلك الناهي إن كان على الهدى فيما ينهى عنه من عبادة الله الخ ما ذكر ألم يعلم أن الله يرى ويطلع على أحواله فيجازيه بها حتى اجترأ على ما فعل ,وتقييد النهي بالظرف يشعر بأن النهي عن الصلاة حال التلبس بها .
*= وعدل عن التعبير عنه بضمير الخطاب لأن التعجيب من نفس النهي عن الصلاة بقطع النظر عن خصوصية المصلي . فشموله لنهيه عن صلاة النبي – صلى الله عليه وسلم –أوقع .
*= وصيغة المضارع في قوله ( ينهى ) لاستحضار الحالة العجيبة وإلا فإن نهيه قد مضى . والمنهي عنه محذوف يغني عنه تعليق الظرف بفعل ( ينهى ) أي ينهاه عن صلاته . وفصل بين الجمل للاعتناء بأمر التشنيع والوعيد حيث أشعر أن كل جملة مقصودة على حيالها فشنع سبحانه على الناهي أولاً بنهيه عن الصلاة وأوعد عليه مطلقاً بقوله ( أرأيت الذي ) .
*= وقوله تعالى : (( أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى )) تعجيب آخر من حال المفروض وقوعه , أي أتظنه ينهى عبداً متمكناً من الهدى فتعجب من نهيه والتقدير : أرأيته إن كان العبد على الهدى أينهاه عن الهدى , أو إن كان العبد آمراً بالتقوى أينهاه عن ذلك . وجواب الشرط محذوف , وأتى بحرف الشرط الذي الغالب فيه عدم الجزم بوقوع فعل الشرط مجاراة لحال الذي ينهى عبداً .
*= والرؤية هنا علمية , وحذف مفعولا فعل الرؤية اختصارا لدلالة ( الذي ينهى ) على المفعول الأول , ودلالة ( ينهى ) على المفعول الثاني في الجملة قبلها .
*= و ( على ) للاستعلاء المجازي وهو شدة التمكن من الهدى بحيث يشبه تمكن المستعلي على المكان , كما في قوله تعالى : ( أولئك على هدى من ربهم ) والضميران المستتران في فعلي ( كان على الهدى أو أمر بالتقوى ) عائدان إلى ( عبداً ) وجواب ( إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ) محذوف تقديره : أينهاه أيضاً .
*= وفصلت جملة ( أرأيت إن كان على الهدى) لوقوعها موقع التكرير لأن فيها تكرير التعجيب من أحوال عديدة لشخص واحد . وتكرير { أرأيت } دليل على أن هذه القضايا قضايا عجيبة .
*= وجملة (( أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى )) مستأنفة للتهديد والوعيد على التكذيب والتولي , أي إذا كذب وتولى أتظنه غير عالم بأن الله مطلع عليه . والمفعول الأول لـ ( رأيت ) محذوف وهو ضمير عائد إلى ( الذي ينهى ) والتقدير : أرأيته إن كذب ,وجواب الشرط ( ألم يعلم بأن الله يرى ) وجملة الشرط وجوابه سادان مسد المفعول الثاني . وكنى بأن الله يرى عن الوعيد بالعقاب .
*= وضمن فعل ( يعلم ) معنى { يوقن } فلذلك عدّي بالباء , وعلق فعل ( أرأيت ) هنا عن العمل لوجود الاستفهام في قوله : ( ألم يعلم ) , والاستفهام إنكاري أي كان حقه أن يعلم ذلك ويقي نفسه العقاب .
*= وفي قوله : ( إن كذب وتولّى ) إيذان للنبي – صلى الله عليه وسلم – بأن أبا جهل سيكذبه حين يدعو إلى الإسلام , وسيتولى , ووعد بأن الله سينتصف له منه
*= وضمير ( كذب وتولى ) عائد إلى ( الذي ينهى عبداً إذا صلى ) بقرينة المقام , وحذف مفعول ( كذب ) لدلالة ما قبله عليه , والتقدير : إن كذبه , أي العبد الذي صلى , وبذلك انتظمت الجمل الثلاث في نسبة معانيها إلى الذي ينهى عبداً إذا صلى . وحذف مفعول ( يرى ) ليعم كل موجود .
*= وفي قوله (( كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية , ناصية كاذبة خاطئة )) أكد الردع الأول بحرف الردع الثاني , وفي آخر الجملة وهو الموقع الحقيق لحرف الردع إذ كان تقديم نظيره في أول الجملة لما دعا إليه المقام من التشويق .
*= والسفع القبض الشديد بجذب , والناصية مقدم شعر الرأس , والأخذ من الناصية أخذ من لا يترك له تمكن من الانفلات فهو كناية عن أخذه إلى العذاب وسحبه إلى النار . وفيه إذلال لأنهم كانوا لا يقبضون على شعر رأس أحد إلا لضربه أو جرّه . وأكد ذلك السفع بالباء المزيدة الداخلة على المفعول لتأكيد اللصوق .
*= والتعريف في { الناصية } للعهد التقريري , أي بناصيته , أي ناصية الذي ينهى عبداً اذا صلى . { وناصية } بدل من الناصية , وجاز إبدالها عن المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت بقوله (( كاذبة خاطئة )) فاستقلت بالإفادة وهذا ما اشترطه البصريون . وتنكيرها لاعتبار الجنس .
*= و { خاطئة } اسم فاعل من خطئ من باب علم إذا فعل الخطيئة أي ذنبا . ووصف الناصية بالكاذبة والخطأ مجاز عقلي , والمراد : كاذب صاحبها خاطئ صاحبها , أي : آثم . ومحسّن هذا المجاز أن فيه تخييلاً بأن الكذب والخطأ باديان من ناصيته فكانت الناصية جديرة بالسفع .
*= ولكون الناصية أو ما يسمى بالقشرةالجبهية الأمامية في الإنسان هي مركز التحكم والقيادة واتخاذ القرار الصائب أو الخاطئ والحق أو الباطل والصدق أو الكذب عند الإنسان , وفي هذا دليل على أن ناصية أبي جهل تتخذ قرارات خاطئة قائمة على المفاهيم المغلوطة ترى الحق باطلاً وترى الباطل حقاً , وترى الصواب خطأ والخطأ صواباً…. فسبحان من أجرى هذا البيان ؟؟؟؟!!!!
*= والنادي في قوله تعالى : ( فليدع ناديه ) اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم , فإذا تفرقوا عنه فليس بناد , ويقال النادي لمجلس القوم نهاراً فأما مجلسهم في الليل فيسمى المسامر , قال تعالى : ( سامراً تهجرون )
*= ولام الأمر في (( فليدع ناديه )) للتعجيز , وإضافة النادي إلى ضميره لأنه رئيسهم ويجتمعون إليه .
*= والزبانية في قوله : (( سندع الزبانية )) ملائكة العذاب , قيل : هو اسم جمع لا واحدله من لفظه مثل : أبابيل وعباديد . وقال أبو عبيدة : واحده زبنية بكسر فسكون كعفرية , وقال الكسائي : واحده زبني بالكسر كأنه نسب إلى الزبن بالفتح وهو الدفع ثم غير للنسب وكسر أوله كإنسي .
*= وأصل الجمع زباني فقيل زبانية بحذف إحدى ياءيه وتعويض التاء عنها . وقال عيسى بن عمر والأخفش واحده زابن والعرب قد تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه وإن لم عيكن من أعوان الولاة . وسمّي ملائكة العذاب بذلك لدفعهم من يعذبونه إلى النار .
*= و { سندع } مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم , ورسم في المصاحف بدون واو لاتباع الرسم للفظ فإنها محذوفة فيه عن الوصل لالتقاء الساكنين أو لمشاكلة ( فليدع ) وقيل : إنه مجزوم في جواب الأمر وفيه نظر , وحرف الاستقبال لتأكيد الفعل .
*= وأكد قوله (( لا تطعه )) بجملة (( واسجد )) اهتماماً بالصلاة , وعطف عليه (( واقترب )) للتنويه بما في الصلاة من مرضاة الله , والاقتراب : افتعال من القرب , عبر بصيغة الافتعال لما فيها من معنى التكلف والتطلب .

شاهد أيضاً

قدم العزاء لأسرته خلال اتصال هاتفي
 
وزير الثقافة : رحيل الحميد خسارة للوسط الثقافي والأدبي

صحيفة عسير – أبها : قدّم وزير الثقافة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: