الرئيسية / كتاب الرأي / ” لاَ تَسْكُبِ الْعَسَلَ ثُمَّ تَلْعَقَهُ “

” لاَ تَسْكُبِ الْعَسَلَ ثُمَّ تَلْعَقَهُ “

” لاَ تَسْكُبِ الْعَسَلَ ثُمَّ تَلْعَقَهُ “

تعدوا الرّياح على من ليس له أصول، وتُغير البُغاث على من كان خارجَ الحصون، ويسعى المفتونُ لقلع الأصول، وهدم الحصون، لصالحِ الخصومِ، ولله في خلقه شئون.

نيران تُسْعَرُ في الشّمال أحرقت بلداً كاملاً، بعد أن كان آمناً، جعلت حياتَهَم رعباً، وبقاءَهَم صعباً، وسهلَهُم صلباً، فتباً لمن كان السّببُ في ذلك تباً.

وفي عراقِ الرّشيد عِراكٌ شديدٌ، ذُبِح فيه الأمنُ والأمانُ من الوريد إلى الوريد، فحَكَمَها القَيْنُ، وَساَدَها مجوسيٌ لعينٌ، حتى غدت أثراً بعد عينٍ، فأرضُهُم يباب، وَعَمَارُهم خراب، وحياتُهم سراب، حتَّى رَتَعَ فيها الذُّبابُ، وخاف البازُ من الغرابِ.

وفي يمن الإيمان والحكمة، حملَ الخائنُ وِزْرَهُ وإثمه، عاث الحوثيون في البلادِ، وأوضَعُوا خِلالها يبغُون الفساد، فزادوا دمارهاً دماراً، وجعلوا عمارها خراباً، وشرابَهَا سَراباً، فلا تسمع إلاّ دويَّ الرّصاص، ولا ترى إلاّ جثث الأبرياءِ من الأطفال والنساء والشّيوخِ ولا تسمعُ إلاّ الصُّراخَ والاستغاث، قوافلُ تهاجر بلا جهةٍ، وراياتٌ تُرفعُ بنصرةِ الإسلام وهي مُلحدة، فالقتل في المسلمين، والتنكيلُ بالوحّدين، وسُعارُهُم الّذي يصمُّ الآذانِ: الموتُ لإسرائيل، والويلُ والثبور لمن حاد عن السبيل.

أما أرضُ الكِنانةِ فلا يُخشى عليها إلاّ من أعمدةِ الخِيانة، أحزابٌ عَلمانيّةٌ بدثارِ الإخونجيّة، يتماهون مع الروافضِ، مكيافيليون حَدَّ التناقضِ، لهم في كلِّ مَيْتمٍ عِرْسٌ، وفي كلِّ محفلٍ ضِرْسٌ، يلطمون مع النّائحاتِ، ويرقصون مع الغانيات، شِعاراتٌ لهم تُرفع، وأيد خفية نحو المجهول تَدفَع، وشعبٌ ضائعٌ بين القُوتِ والموتِ، فيا ربِّ سلّم سلّمْ قبل فوات الفوتِ.

أما ليبيا الأدارسة فقد حوّلها القذّافيُّ لأبالسة، صواريخُ عابرةٌ، وراجماتٌ للمدنِ هادمةٌ، وشبابٌ عن السبيلِ تائهون، وعن الرّشدِ غائبون، يقصفون العابر والقابع، ويقتلون المعترّ والقانع، بترولٌ يتدفّق، وشعبٌ يتمزّق، وأموالٌ على الباطلِ تُفرّق، وشعبٌ يدفع الثمنَ بلا ثمن، ويعيش من رعبٍ لا يفتُر، خوفاً من الصحوات أوحفتر، فأين المفرّ؟.

وفي بلادِ الأتراكِ قميصُ عثمان في الميدان، يتسول به المتربصون الأنذالِ من أتباع أبي رِغال، تارةً باسم الإخوانِ، وأخرى بذَريعَةِ حقوق الإنسانِ، خاشقجي مات خاشقجي مات، وهم عن قتل الأبرياء واغتصاب العفيفات في سوريا والعراق ولبنان وتركيا وغيرها في سباتٍ، تتبنى قناة فنحاص وأبي رغال كِبْرَ التشويه والتّزوير، بلسانِ كلِّ تافهٍ وحقير، تحقيقاً لمقولة من قال: والشجرةُ يجب أن لاّ يقطّعَها إلاّ بعضُ أغصانِها.

فيا شعب المملكة العربيّةِ السعوديّة، ويا أيُّها الوافدون إليها من غيرِ أهلها، ألا ترون ما حَلَّ ويحل بالقوم من حولكم؟ ألا تقرؤون قول الحق تبارك وتعالى ربّكُم” أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ” ألا ترون الرّعب في جوارِنا؟! ألا ترون كيفَ يُتخطَّفُ الناسُ من حولنا؟! لقد كانوا في رغدٍ من العيشِ، وأمنٍ من الخوفِ، فماذا حلَّ بهم؟!! ولماذا حلَّ ما حلَّ بهم ؟!!! .

إيّاكم أن تسكبوا العسل فتلعقوه، فهو الآن في أيديكم فاحفظوه، إنّنا في نعمةٍ من الأمن والأمان، ورغد العيش وَسَعَةٍ في الحالِ، يحسدنا عليها الكثير، ويحنِقُ علينا الغيرُ، بلادٌ الحرمين، وقبلة المسلمين، ومهوى أفئدة العالمين، منبع الإسلام وَمَأْرِزُهُ، لا تُقام فيها شعائرُ الطاغوت، وليس له فيها حِسٌ ولا صوتٌ، فلا يُطاف فيها بصنمٍ، ولا يُستعبدُ فيها الناسُ ويُستَخدَمُونَ كالخدَمِ، لا تضرب فيها نواقيسُ الصُّلبانِ، ولا توقد فيها للعبادةِ نيرانٌ، ولا يُحكم فيها بغير شرع الواحد الدّيّان، منائرُ التّوحيدِ شامخةٌ، وأصواتُ المؤذِّنِيْن صادحةٌ، وآياتُ الله تُتلى في كلِّ الأحوالِ” فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ” .

لقد بكى من حولكم على ما فرّطُوا بدلَ الدّمعِ دماً، وندموا على أوطانهم وهم يرون النّهار فيها أضحى مظلماً، وأدركوا أنَّ من أشعل نار الفتنةِ باسم الإصلاح إنّما كان عميلاً مجرماً، والسّعيد من اتّعظَ بغيره، والشقيُّ من عن الحقِّ أصمَّ أذنيه وأغمض عينه، ومن لم تردعه صورةُ الدّمِ، فلليدين وللفمِ .

ويا علماءَ الأمّةِ الإسلاميّةِ، ويا حماةَ الشريعةِ وحراسّ العقيدةِ، يا من استشهدكُم الله على وحدانيَّتِهِ مع أنبيائه وملائكته، بأعناقِكُمْ حِمْلٌ ثقيلٌ، تنالون عليه الشكرَ الجزيلَ، حيثُ يؤمَّلُ منكم ما لا يؤمّلُ من غيرِكم، في توحيدِ الكلمَةِ، لكلمَةِ التّوحيدِ، فانبذوا الخِلافَ بينَكُم، واسعَوا لنصرَةِ دينِكم، وليس هذا من تقصيرٍ منكم، ولا نقصاً في حقِّكُم، معاذ الله أن أقول هذا، أو أُلمّح بهذا .

ويا رجَالَ الإعلامِ، أنتم في الفضاءِ المفتوحِ كالأعلاَمِ، يراها القاصي والدّانِيْ، ويتأثَّرُ بكم المثَقَّفُ والعامّي، فإياكُم أن تُثيروا الفتنةَ، أو تُفتِنُوا الفِتْيَةِ، فإنّ ما تنشرونه قد يُفرّق الصفوفَ أكْثر مما تفرّقُه السيوفُ، وما تقولُونهُ يعبرُ الآفاقَ، ولا يمكنُ معهُ الرّقعُ ولا الوِفاقُ.

ويا رجل الأمن – وكلّنا يجب أن نكون – أنتم على ثغرٍ من ثغور الدّين، وثغرٍ من ثغور الوطنِ المعطاءِ الكريمِ، وثغرٍ من ثغورٍ الأمانةِ التي نأت عن حملها الأرضُ والجبالُ والسماواتُ، الأموال والأعراضُ والدِّماءُ في أعناقكم، وأنتم عنها مسئولون، وعليها مستأمنون، فاللهَ اللهَ أن يُؤْتَى شيءٌ من ذلك من قِبَلِ أحدٍ منكم، فيبوءُ في الدنيا بعارِها، وفي الآخرةِ بنارها.

وأنتم أيها الوافدون من غير أهلها، نحن لكم بَعدَ الله أَمَل، وأنتم منّا حيث المقل، فلا أنتم لنا خدمٌ، ولا نحن بدونكم عدمٌ، بل تُعينون وتُعانُون، تأكلون مما نأكل، وممّا نشرب تشربون، تذكّروا ما جلَّ بالخائنين من الأممِ، واعلموا أن المعاصي تزيل النِّعَم، وما حولكم شاهدٌ بذلك، والله من وراء ذلك .

وإلى الجميع أقول” إِيَّاكُمْ أَنْ تَسْكُبُواْ الْعَسَلَ ثُمَّ تَلْعَقُوْهُ” .

أ.د: عبد العزيز بن عمر القنصل

كليّةُ الشّريعةِ وأصولُ الدّينِ، قسمُ العقيدةِ والمذاهبِ المعاصرةِ

شاهد أيضاً

التطوع الكاذب

    يتفنن عشاق الأضواء في رسم سياسة الهنبكة الإعلامية، وإخراج مسرحية وهمية، سيناريو فصولها …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: