الرئيسية / كتاب الرأي / مذكرات متحدث رسمي !

مذكرات متحدث رسمي !

إبراهيم عواض الشمراني

قال لي معلم الانجليزي في مدرستي القروية قبل أربعين عاما : سنضعك رئيس تحرير المجلة التي نحررها على كرتون أبيض ونعلقها في الفصل, و لم أفهم طبيعة المنصب لكني شعرت أنه شيئ يشابه منصب شيخ القبيلة ففرحت !
ثم توليت في المدارس عدة مناصب رئاسية أخرى في السنوات اللاحقة فيها بريق مشيخة القبيلة تقديما للحفلات و مسرحا و كشافة و جماعات نشاط فتغلغل حب الإعلام في قلبي و شعرت بارتباطه بالسلطة والقوة!
وعندما بدأت أولى سنوات دراستي الجامعية في الطب شغلني الحب و الشعر و شياطينه عن مشيخة قبيلة الإعلام فتحولت لدراسة التربية وتفرغت لكتابة قصائد وقصص قصيرة كنت أرسلها لتنشر في بعض الصحف و بدأ ظهور اسمي في الصحيفة أكثر بريقا أول مرة من مشيخة مجلة جماعة اللغة الانجليزية !
بل إن ظهور اسمي المستعار في أحدى الردود من محرر الصفحة الشعبية عام 1409 كانت أجمل لحظة في حياتي رغم محطات التفوق الدراسي التي مررت بها, و أحسست حينها أني أكاد اطير من الفرح !
ثم بدأت أكتب مقالات و قصص قصيرة تفوز أحيانا جعلتني أرتبط بصحيفة رسالة الجامعة في جامعة الملك سعود وبعض الصحف في الرياض و أحظى بلقاء مديري تحريرها و محرريها فعرفت أن الإعلام عالم آخر مختلف جدا لا يظهر منه إلا الناتج الأخير و المعركة الحقيقية تكون قبل ذلك تماما !
و لازلت أذكر كلمات للدكتور ساعد العرابي الحارثي(الذي أصبح الآن مستشار سمو وزير الداخلية) قالها في نهاية أحد الاجتماعات في مقر (رسالة الجامعة) حينها : الكلمة كالرصاصة !
و جربت بعدها أن أكون صحفيا فيها فترددت أجلب الأخبار و أحيانا الإعلانات لصحيفة الجامعة لأجد استقبالا غير عادي ممن أزورهم و عرفت معنى صاحبة الجلالة !
ومن هذه المواقف أني زرت وكيل أحدى الكليات الذي كنت أستحي أن أطالع في وجه عندما يمر في بهو الكلية فإذا به و أنا أعلن نوع المهمة التي جئت من أجلها في مكتبه يستقبلني كأنني مدير الجامعة لا طالبا فيها !
ومرت السنوات لأستمر في انشغالي بالأدب و أترك الصحافة بين مقالات متنوعة و قصص و أشعار بين رديئة و رديئة جدا تنشر هنا و هناك , فقربني هذا من عدد من الإعلاميين و الأدباء وعرفت أسرار الصنعة و شيئا عن المعارك و أشياء عن حسد الأقران و الدعاية و الرماية !
و ظننت أني مع كل هذه التجارب التي بدأت بمجلة المدرسة و انتهت بعملي قبل عشر سنوات مشرفا على صحيفة إلكترونية و في رئاسة اللجان الإعلامية في الإدارة التي أعمل بها سأكون مؤهلا للإبداع والتميز في الإعلام و إدارته!
لكن الذين يرون المنتج النهائي مغلفا لا يعرفون الكثير عن المصنع و الصانع و المواد التي صنع منها !
فأن تكون إعلاميا يعني أن تكون جنديا مجاهدا في معركة حتى لو ربحتها فستخسر ! لذا فانت تربح عندما تنجح مع أقل الخسائر !
و قُدّر لي أن أعمل بالإضافة لإدارة الإعلام في المؤسسة التي أعمل بها متحدثا رسميا عنها فصرت أعرف عن الحطب أكثر مما أعرفه عن الطبخات و أضطر أن اطبخ دون حطب و أحطب من كل وادي و أجاهد النيران التي تشتعل من حيث لاتدري فلا تعرف أتتفرغ للعب دور المطافي أم تفرق الحطب أم تقتحم النيران لإنقاذ من أشعلها !
و بعيدا عن نار المتحدث الرسمي تجد نفسك معلقاً في الهواء على حبل السيرك اليومي لنشطاء في الإعلام و خبراء و مبتدين كل يحرك الحبل حتى يحصل على الصورة الأجمل لقفزتك السحرية أو سقطتك الجهنمية !
و تبتسم مهما يكن للجميع و تشكرهم لأنك تطعم نهمهم لكل جديد و تتحمل عتب هذا و غضب ذاك و حرص ثالث و برود رابع و كما يقول عادل إمام : (إللي رايح يضرب و إللي جاي يضرب ) !
أما إذا أردت أن تستنشق شيئا من نسيم الحرية بعيدا عن زخم الإعلام , وجدت عشرةً متعلقين بالأنا يريدونك أن تقدسها معهم و تنشر كم كحة كحوا هذا اليوم رغم أن كل من في المخيم يكحون ليلا ونهارا !
و شيئا فشيئا تثقلك القيود و تريد أن تطرح عباءة المشيخة التي ظننت أنك تتوجت بها في الصف الثاني متوسط قبل أربعين عاما !
تتخيل أن تعيش حرّاً لا تحاصرك الشاشات و لا الرسائل ولا الصور و لا المشاركة في مسرحيات لا تعرف بطلها و لا بدايتها و لا نهايتها !
بين من يراك تمسك بدل قلمك أو كي بورد جهازك طبلا , و آخر يظنك تحمل سوطا و ثالث يراك معينا و مبدعا !
تكتب أسطر ورقة خلاصك و تخلع عباءتك التي أثقلت كاهلك منذ أربعين عاماً , و تتمنى أن تولد من جديد دون شعر و لا قصة و لا إعلام تتسلل في أطراف الحياة الجديدة تحضن أطفالك الصغار و تتفرج على أبطال الحطب الجدد الذين يظنون أن النار خلقت أمس و أن القِدر لتوه وضع على الأثافي !
تغلق جوالك دون أن يهمك من سيتصل أو يرسل , و تسند ظهرك لكنب صالة بيتك تحرك المسواك في فمك و تشاهد على شاشة التلفزيون الصور و الأحداث و الأخبار التي أصبحت تعرف أسرارها , و كيف يستطيع الراعي أن يحرك القطيع وكيف يستطيع القطيع أن يقود الراعي !

شاهد أيضاً

(نبض عسير 335 مجدٌ ‘ يتجدد)

بندر بن عبدالله آل مفرح الحياة ليست نقمة ‘ وليست نفساً كريهاً ‘ وليست للغيبة …

%d مدونون معجبون بهذه: