مآدب في زمن الكورونا

بقلم أ. شريفة آل زمام

زمن الكورونا عندما حل لم يحل فارغ اليدين بالطبع. أتى ومعه مآدب يدعوا الناس لها على شرف الإنسانية في هذا الزمن الموبوء، وعلى مآدب الأزمات تتضح عادات البشرية وما يجول في النفوس وماتنميه من قيم و آداب .خاصة بعد الإجراءات الاحترازية و المفروضة على الجميع، مثل التزام المنازل والتباعد الجسدي وغسل اليدين بالصابون واستعمال المعقم والمحافظة على مسافة مترين بين الأفراد في المكان الواحد، وغيرها من الاحترازات الاجتماعية والصحية، وعلى الصعيد المهني والتعليمي أيضاً .هذه الاحترازات المتخذة في زمن الكورونا ،والتي بلا شك تصب في مصلحة الافراد والمجتمع، تحثنا بالإكراه أو طوعاً على الجلوس إلى هذه المآدب. إلى ماذا تدعونا هذه الأيام من مآدب نستقي منها وننتقي؟

​أولى المآدب التي أحسبنا جميعا جلسنا إليها، هي مآدب الراحة. ولكل منا مأدبه الذي يستريح للجلوس له. وأحسب أن أغلبنا كنا نقضي وقتنا في النوم لنقتص من كل ساعات اليقضة والعمل المجهدة الفائتة. فقد كنا نضنها إستراحة محارب يستجمع طاقته ليعود للساحة من جديد. وساعات الجلوس مع الاهل والتعرف على أفراد العائلة، ومعدلات الحركة في المنزل التي زادت، وتبادلنا أصناف الألعاب والرياضات لنألف ساعات الجلوس الممتدة مع الأهل كما لم تكن من قبل، ولننعش الشعور بالإنتماء للشخوص من حولنا الذين نجالسهم ونآدبهم في ظل الضروف المفروضة.وعندما أدركنا أننا لانرى لهذه المأدبة نهاية واضحة من الأنواع والأصناف والمشارب، كففنا أيدينا بعدما دأبنا عليها وعلى ماقدمته لنا من مشارب وآداب لمعرفة محيطنا والأشخاص من حولنا وكأن هذه المأدبة أعادتنا لساعات الصفر لنبدأ من جديد للإنطلاق في الحياة المقبلة ومواكبة أمواج تقدمها ونتقدم مع تقدمها وبأسس وآداب جديدة.

​ثم بعد شكوانا من جلوسنا إلى تلك المأدبة التي لم نكن معتادينها، بدت الحياة بأدبها وسلوكياتها الجديدة تتخذ شكلاً طبيعياً تكيّفنا معها، وكأننا المؤلفة قلوبهم إلى هذه المشارب والمآدب بعد أن أُكرهناها. تجلت لنا مآدب أخرى بصرناها وجلسنا لها طوعاً. مآدب تشبة الحياة المقبلة من التطور والعلم والعمل عن بعد.مآدب التكنلوجيا وتبينت لنا أعمال كنا نحتج بأنه لاوقت للقيام بها، فقدمت لنا هذه المآدب من الوقت مالم نحظ به من قبل. فأنكببنا نلتهم من مشارب طلب العلم وإنجاز الأعمال وننجز على مآدب التكنلوجيا مالم ننجزة اذا لم نكن جلسنا لهذه المأدبة من قبل. قدمت لنا هذه المآدب من العلم والعمل والصخب الخافت للإنجاز بعد قيامنا من مآدب الراحة . كما أننا إلتفتنا إلى قوائمنا من الأفلام والمسلسلات والكتب والروايات مابدأنا بإلتهامه بنهم حتى تتفتح لنا آفاق من أنفسنا ماكنا نبصره لولا جلوسنا إلى هذه المآدب.
وبعضنا جلس على مآدب من التملل والضجر وعمل اللاشيء، وحقيقة أن هذا ماتبدو عليه الحياة في زمن الكورونا لا يمكننا عمل شيء ولا كسب أي شيء . الذين اعتادوا على الحركة لا يرون عائداً في هذا السكون الذي لا طائل من إستمرارة إلا أن يجرنا إلى الهلاك والركود والإحباط، مآدب يجلس إليها من لا يتمتعون بإمكانية تحمل العزلة والوحدة وهم يعلمون أنهم ليسوا وحدهم فهذه المستنقعات المليئة بالرمال المتحركة تجرنا وتحد حركة إنتاجنا، فإذا لم نكن ذو بال صبور وروح عالية فقد لا ننجو وقد حق علينا أن ننجو بقوة إيماننا وبغريزة البقاء والإستعداد لما بعد الكورونا، فبعضنا لا يتمتع برفاهية الإنتاج في فترة الحجر والعزلة. قد تبدو هذه المآدب فارغه لكنها مليئة بالمشارب والتقلبات والمتع ما يعين أصحابها على القيام منها والتغيير إلى مآدب غيرها.من جلسوا إليها أعلم بما فيها وما أصنافها، وهذه طبيعة المآدب لن نعرف أصنافها ومشاربها حتى نذوق منها ونتمتع بها،حتى على مآدب التملل يحق لنا التمتع.

​وهكذا ندأب قياما وقعودا حتى نفقه ونصل لمآدب أنفسنا ونجلس إليها. ونتأمل الأصناف والأنواع والمشارب لنقف مع أنفسنا على ماقدمنا لغدٍ ونعمل له، من قيم وآداب وعلم وعمل، نجلس إلى مآدبنا ونستقي من أنفسنا لأنفسنا.فقد جلنا المآدب قبل هذه لنفتح بها آفاقا لأنفسنا وبها نرتقي.مآدب النفس غير سواها من المآدب لو جلسنا إليها أدبتنا وغيرتنا. وهيهات هيهات يظل زمن الكورونا يدعونا إلى مآدب نجلس إليها ومن اصنافها ننتقي ومن مشاربها نستقي وعلى دأبها نسير حتى نمتلئ من الآداب والقيم مايقوينا للقيام في الحياة بعد زمن الكورونا.وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. فإلى أي المآدب أنتم قاعدون ومنها تنهمون وتشربون؟!

=========

شاهد أيضاً

“أمريكا التي تحترق”

بقلم / لاحق العاصمي ولأن بلاد العم سام هي من يقود العالم ويدير دفته . …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: