المضاد الحيوي ليس حلاً !!

الهلاليقبل عدة أسابيع قليلة أطلقت الهيئة العامة للغذاء والدواء حملة توعوية تحت شعار ( المضاد الحيوي ليس حلاً) وهي حملة تهدف لترشيد استخدام مجموعة الأدوية المسماة بـ ” المضادات الحيوية” وتوعية المجتمع بدواعي استعمالها وكيفية تناولها وخطورة الإفراط في استخدامها دون حاجة لذلك كما يحدث في كثير من الحالات في بلادنا للأسف الشديد !

ورغم أهمية مثل هذه الحملة إلا أن الضرورة باتت ملحةً لمزيد من الحملات التثقيفية والتوعوية مترافقة مع سياسات طبية صارمة تحدد كيف ومتى يصرف المضاد الحيوي ، ذلك أن نسبة عالية من المرضى يتم صرف المضاد الحيوي لهم دون استشارة الطبيب ولأعراض لاتستدعي استخدام المضاد في كثير من الأحيان .

معظم الأمراض المعدية يتسبب فيها نوعان من الجراثيم: البكتيريا أو الفيروسات، المضاد الحيوي يعالج العدوى البكتيرية  لكنه لا يعالج العدوى الفيروسية  ، فمثلا الزكام و الأنفلونزا وأغلب حالات احتقان الحلق سببها عدوى فيروسية لا يعالجها المضاد الحيوي ، ذلك أن المضادات الحيوية هي إحدى المجموعات الدوائية التي تستخدم للقضاء على البكتريا وهى تعمل إما بالقضاء عليها مباشرة أو بإيقاف نموها أو إضعافها لكي يتغلب عليها الجهاز المناعي بالجسم ، وعليه فاستخدام المضاد الحيوي مع العدوى الفيروسية لن يشفي من تلك العدوى ولن يساعد المريض على الشعور بالتحسن و لن يحمي الآخرين من التقاط العدوى من المريض .

إن الاستخدام العشوائي للمضادات دون وجود عدوى بكتيرية أو بطريقة غير صحيحة أو عدم إكمال فترة العلاج عند بدء الشعور بالتحسن كفيل بتوليد أجيال جديدة من البكتيريا الخارقة التي تستطيع مقاومة المضاد الحيوي الذي كان يقضي عليها سابقاً وبالتالي تبطل فعالية الدواء وتستفحل العدوى وقد تنتشر لأناس آخرين ، فالبكتيريا  كائنات  حية  لها القدرة على التكيف و الدفاع عن نفسها ضد المضادات بطرق مختلفة مثل  إفراز بعض الأنزيمات التي تقلل فاعلية المضاد الحيوي  خاصة إذا تم استخدام المضاد الحيوي عشوائيا أو  بجرعة  أو مدة غير كافية  و بالتالي تظهر سلالات من البكتيريا لها القدرة على مقاومة العلاج  ببعض أو كل المضادات الحيوية  المتاحة و كلما كثر استخدام المضاد الحيوي كلما زادت فرصة الإصابة ببكتريا مقاومة للمضادات الحيوية.

ومن خلال عملي كصيدلي لاحظت أن سوء استخدام المضادات الحيوية في المملكة مسؤولية تقع على ثلاثة : المريض ، الطبيب ، والصيدلاني  ، فالمريض يتحمل المسؤولية في بعض الأحيان عندما يطلب المضاد الحيوي مع أنه غير محتاج له، وكثير من المرضى يلح على الطبيب أو الصيدلاني بصرف المضاد الحيوي وقد يغضب لو أخبرته أن حالته لاتستدعي تناول المضاد الحيوي ، مثلاً أن يطلب المريض المضاد الحيوي و هو مصاب بالبرد (عدوى فيروسية) ، وفي أحيان أخرى لا يتعاطى المريضُ المضاد الحيوي حسب توصيات الطبيب، فعند الإحساس بالتحسن يوقف المضاد من نفسه مما قد يسبب انتكاسة في الحالة بسبب تكاثر البكتيريا من جديد ، وبعض المرضى يحتفظ بالباقي من المضاد الحيوي ويستعمله  مرة أخرى بدون استشارة طبيب مختص .

أما الأطباء فقد يقدمون في كثير من الأحيان على كتابة وصفة المضادات الحيوية في حالات قد لا تستدعي ذلك دائماً وخصوصاً في حالات التهاب الحلق وبالذات للأطفال (نسبة الأطفال الذين يحتاجون مضاد حيوي بسبب التهاب الحلق هي فقط 20% ولا يمكن تحديدها إلا باختبارات مخبرية ) وقد يقوم الطبيب بوصف المضاد الحيوي عندما لا يكون متأكداً من سبب المرض أو بسبب ضغط الوقت !!

والصيدلاني هو الآخر ركن مهم في معادلة تحمل مسؤولية الإستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية ، فالكثير من الصيادلة يصرف المضاد عشوائيا ودون وصفة طبية خصوصاً في الصيدليات الخارجية أو مايعرف بـCommunity Pharmacy وهذه جريمة كبرى أتمنى أن يتم تفعيل عقوبات صارمة بحق من يقدم عليها ، كما أن بعض الصيادلة قد يتساهل في توضيح الجرعة وطريقة الاستخدام ومدة العلاج وغيرها من المعلومات الضرورية التي يجب أن يعلمها المريض .

خلاصة القول .. أن التوعية بطريقة استخدام المضادات الحيوية أمر ضروري للحد من الآثار المترتبة على الاستخدام العشوائي لها والذي ينتج عنه زيادة المقاومة للمضادات الحيوية ومن ثم انتشار أنواع من العدوى البكتيرية الخطيرة  ، والتوعية مسؤولية تشترك فيها كل المؤسسات الصحية والطبية والجامعات ووسائل الإعلام والكليات  والهيئات والأفراد .

إبراهيم الهـلالي>

شاهد أيضاً

قال أبقراط … المشي هو دواء للإنسان

عبدالله سعيد الغامدي.     لمن لا يعرف أبقراط هو طبيب يوناني عاش في العصر …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com