بعد الفوانيس كهرباء قريتي تطفأ ليلياً بفعل فاعل

بقلم: إبراهيم العسكري

اتحدث لكم عن اجمل ذكريات لاحداث عشتها بطفولتي في قريتي الصغيرة (الرهوة العاصمية) التابعة لربيعة ورفيدة عسير فرغم قسوة الحياة وميلها وتقلباتها في تعاقب الفصول الاربعة من برد وحر وكثرة الأشغال التي لا تنقطع بمدار الساعات النهارية مقارنة بما يعيشة الجيل المرفه اليوم من فراغ وفرط في اللهو..!

كان الزمان الذي اشير اليه في تلك الاحداث بنهايات القرن الماضي ولان المعاناة في مجالات متعدده فهنا احصر الأمر فيما يخص النور واضاءة بيوتنا ليلآ

استمرت اضاءة امسياتنا بالفوانيس والأتاريك المدعومة كلها بمادةً الكيروسين (القاز) وهو سائل ابطأ اشتعالآ من البانزين واقل خطرآ منه ويغبطنا اجيال عاشت قبلنا بانا محظوظين بالفوانيس والاتاريك فهي رفاهية اذا قارنا ذلك بعيشتهم فيما سبق ولعلي هنا اوضح بعض معان الكلمات والمصطلحات ليفهما الجيل اللاحق لاجيالنا فقد عاصروا الرفاهية بفوارق شاسعة عما لحقنا به فالبعض لا يعلم ماهو الاتريك ذلك السراج المنير بقوة الضغط من الهواء المشبع بالكيروسين فيشعل الفتيل ليضيء لنا والجيل اللاحق لم يرى ولم يتعايش مع مصادر الضوء التي كنا نستخدمها ولا يلامون فقد ظهروا لحياة ارض الواقع في زمان غير زماننا الأول فلم يتخضرموا بما عشنا..!

نعود لنقول استمرينا على تلك الطاقة الكيروسينية حتى تجاوزت من العمر العاشرة ولا انسى معاناتنا غالبآ من عطل الاتريك او الفانوس فكنا نراها تتعمد العطل في اوقات الحاجة الملحة وفي اوقات غير مناسبة لعطل ماء او لنفاذ سائل الكيروسين فنضطر للمقاومةً باشعال النار في احدى الغرف التي فيها حيز ذات رماد ولهب ويسمى (بالصلل)وهكذا مع جيراننا وقرانا المجاورة ..!

مع امتداد عمري لسن الطاعشيات واقصد ما بعد العاشرة الى غرة العشرين عشنا مع حقبتنا ومن سبقنا في قريتنا الصغيرة حياة هدوء وبساطة بعيدة عن الضجيج فاكتسينا من الأهل والجيران حسن الخلق والتعامل مع مقومات الحياة في حرث المزارع وريها ودوسها وحصادها وكذا رعاية الاغنام وبقية المواشي وجلب علفها وقوتها وتنظيف مخلفاتها كل ذلك وغيره بصبر ورويةً فتصادقنا وصدقنا مع العموم فاصطفينا منهم الصفات الحسنة مثل النوم المبكر والصحو المبكر وغرفنا منهم حتى رقة المشاعر وعذب الكلام وتحمل المشقات والصعاب .!

قريتي حضيت لاحقآ بمولد كهربائي كنا نراه الرقم الاصعب والاول بقرانا ولا ادري كيف طرأت فكرة الراعي لذلك المشروع من احدى الاسر العريقة بقريتنا آل بن حمود رحم الله من فقدنا وأبقى من لازال على قيد الحياة منهم ومن اهل قرانا جميعآ.

كان حينها مشروع جبار وخطوة جريئة اضاءت مداخل بيوت قريتي كلها لما يزيد عن اربعين بيت حذت بعض القرى المجاورة بمولدات مثلنا عندما ايقنت نجاح مشروع قريتنا..!

كان الحد الاعلى للمبات البيت الواحد عشرة فقط وكل واحده بريال واحد في الشهر ولا يسمح باجهزة اخرى مثل المكوى او المسجل والراديو وغيرها ..!

كان المشغل للمشروع هو والدنا عبدالله بن محرز حفظه الله فهو المسؤول عن الصيانة والتشغيل للماطور والمولد وكذا الاطفاء في المساء

فيتم التشغيل بدءً من صلاة المغرب الى حد اعلى نهاية الساعة العاشرة مساءآ او ما يعادلها بالتوقيت العربي حينها .

كان بن محرز رائعآ في تعامله مع اهل قريته فقد اخذ برأي الاغلبية حينما قالو عندما تطفي الكهرباء اعد اضاءتها للاستعداد من اهل القرية اما للنوم او جلب الفانوس فكان بالفعل يطفيء مولد الطاقة الكهربائي ثم يمكث ثانيتين او اكثر ليعيد الكهرباء لدقيقة واحده فقط .

اذكر انه في الاسبوع يعيد الاضاءة مرتين وربما ذلك برقيات لأمر في نفسه او في نفس يعقوب او لاستعداد خاص به والله اعلم لكن نستغرب متى تكون التطفئة ثم الاضاءة مرتين ليس ككل يوم مرةً واحدة بل اصبحنا ندرك ان ذلك يتم بمعدل اسبوعي مع اختلاف الايام ..!

اذكر ذات مساء كلما اضاء الكهرباء ينطفيء المولد فتتبعوا اسلاك التوصيل فوجدوا تلامس في الظفيرة التي في فوق سطح بيتنا حيث كانت الاسلاك بدائية وكيابل ضعيفة ممررة من فوق اسطح البيوت ولا تحتمل مسافات بيوت القرية فاحيانآ تحترق توصيلاتها.!

الأمر الذي دعى مسؤل التشغيل ان يفصل كيبلنا لوجود الماس فيه فأصبحنا بدون كهرباء من بين بيوت القرية وحينما حضر والدي رحمة الله في اليوم الثاني مساءآ من ابها سأل لماذا بيتنا غير مضاء فقلنا له ابلغنا المشغل للمشروع ان هناك ماس ويتوجب جلب الفني الكهربائي الوحيد بقريتنا زايد بن عبدالله حفظه الله لاصلاحه وقد سميناه فيما بعد زايد كهرباء لكثرة الاسماء المشابهة في القرية.!

انزعج والدي ان يكون بيتنا بدون كهرباء ونحن الاكثر لمباة ودعم لصالح الراعي الممول .!

حاول والدي فضولآ ان يشبك السلك المفصول في وقت صلاة العشاء والجو مظلم جدآ ونحن نترقب لنخبره عندما يضاء بيتنا ولكن ريناه عاد بسرعة ضاحكآ رحمه الله وهو يقول يازين الاتريك كاد التيار ان ينفح بي من فوق السطح (اي يرمي بي)عندما ضربه شوط تلامس الاسلاك بين يديه ونفض والدي فرماه وهرب ضاحكآ مستبشرآ انه لم يصب باذى جراء ذلك رحمه الله .!

في اليوم التالي دعينا الفني واصلح العطل واُعيد تيار بيتنا واذكر ان والدي كان يمازح المشغل للمشروع بن محرز بخصم يومين او ثلاثة حرمنا فيها من اضاءة الكهربا مع اهل قريتنا..!

بفضل الله ما لبثنا بعدها بضع سنين حتى اضاءت شركة الكهرباء العامة بيوت قرانا عامة ولله الحمد والمنة ثم لحكومتنا الرشيدة التى كست اقطار بلادنا بجل الخدمات العامة ولا ادري هل يحق لي ان ادعوا للعالم توماس اديسون المبتكر لمصباح الكهرباء والذي اضاء العالم فيما بعد .!

شاهد أيضاً

بيوت الطين والحنين القديم

بقلم / ظافر الشهراني تجرّبه يعيشها السائح الزائر لمنطقة عسير فيمكنه الجلوس والاستمتاع ببيوت الطين …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com