
بقلم: ✍️لاحق بن عبدالله
في تراثنا الشعبي تنبض الحكمة كما تنبض الحياة في جذور الأرض.
فكلمة الأجداد لم تكن يومًا عابرة، بل كانت مرآةً لتجاربٍ طويلة، وخلاصة فكرٍ ناضجٍ عاش بالبساطة ، لكنه نطق بالعمق .
ومن بين تلك اللآلئ اللفظية التي ورثناها عن أهلنا بمنطقة عسير، يبرز مثلٌ عريق يقول:
“البيت الْمَرَة، والحَبْ الذرة، والمال الرجال.”
هذا المثل القديم لا يُعد مجرد قول مأثور، بل هو منهج متكامل في فهم أركان الحياة الثلاثة: الأسرة ، والعمل ، والنسل.
وهو يحمل من الدلالات ما يجعلنا نقف أمامه بإجلال واحترام، إذ اختصر في كلمات معدودة فلسفة الأجداد في الاستقرار والكرامة والعطاء.
البيت المرة: 🧕
القلب الذي تنبض به الجدران لم يكن الأجداد يرون في البيت مجرد جدرانٍ وسقفٍ يقي من الحر والبرد، بل كانوا يدركون أن المرأة هي التي تصنع البيت وتمنحه معناه الحقيقي.
فالمرأة الفاضلة هي عماد البيت، وهي مصدر الطمأنينة، وموئل الحنان، ومربّية الأجيال.
إن وجودها لا يُقاس بحضورها الجسدي فقط، بل بقيمها التي تُغرس في النفوس، وبحكمتها التي تُبقي البيت قائمًا على السكينة والرضا.
ولهذا قالوا “البيت المرة”، أي أن البيت لا يقوم إلا على امرأةٍ ذات خُلُقٍ ودينٍ وتربيةٍ رفيعة، فهي التي تبني الإنسان، وبصلاحها يستقيم المجتمع بأسره.
الحَبْ الذرة: 🪴
رمز الجودة والبركة أما “الحَب الذرة”، فهي عبارة تُشير إلى الذرة تلك الحبة الطيبة التي كانت من أجود ما تُنبت الأرض في بيئة عسير الزراعية.
فالأجداد جعلوا منها رمزًا للخير والرزق المبارك ، ولعلهم أرادوا أن يوجهوا أبناءهم إلى أن يختاروا في حياتهم دائمًا الأفضل،كما يختار المزارع أجود البذور ليحصد أطيب الثمار.
إنها دعوة إلى الإتقان في العمل، والحرص على الكسب الطيب، والسعي وراء البركة لا الكثرة.
فكما أن الذرة رمز للخير الوفير، كذلك العمل الجيد رمزٌ للحياة الكريمة.
المال الرجال: 💰
الثروة التي لا تُشترى وهنا تكمن أعمق دلالات المثل، في قوله: “المال الرجال”.
فالأجداد لم يقصدوا المال المادي الذي يُتداول بين الناس، بل استخدموه كنايةً عن الذرية الصالحة والرجال الأفاضل.
إن “المال” في هذا السياق هو الامتداد الإنساني الحقيقي، هو الأبناء الذين يحملون اسم أبيهم، ويُكملون طريقه، ويحفظون سيرته.
فالرجال الذين يُنجبهم الأب هم ثروته الباقية بعد رحيله، هم “ماله” الذي لا يفنى، لأنهم يجسدون قيمه وشرفه ومكانته بين الناس.
إنها نظرةٌ عميقة ترى أن القيمة لا تُقاس بما نملك، بل بمن نُخَلِف، وأن أغلى ما يُورّثه الإنسان هو رجلٌ صالح يرفع الرأس، لا ذَهَبٌ يُعدّ أو مالٌ يُحصى ويكتنز.
تتلخص حكمة الأجداد ومنهج الأبناء بهذا المثل فقد رسموا منهجًا للحياة البسيطة
العميقة يتمثل في أن :
• المرأة أساس البيت واستقراره،
• الزرع الطيب سبيل البركة والرزق،
• الرجال الصالحون هم الثروة الحقيقية
التي تخلّد الإنسان.
وفي زمنٍ تتغير فيه القيم وتتبدل المفاهيم،يبقى هذا المثل العسيري شاهدًا على حكمةٍ عربيةٍ خالدة فهمت الحياة بعمقٍ فطري،
وأدركت أن الكرامة لا تُشترى،
وأن المال الحقيقي هو ما يبقى
أثره بعد أن نفقد كل شيء .
عسير صحيفة عسير الإلكترونية
أستاذ لاحق. اتحفتنا بهذا المثل الشامل الذي يعتبر حجر الأساس لبناء أسرة مثالية تشارك في تشكيل مجتمعنا متكاملا.
الامثال عصارة تجارب و منهج فكر؛ وقد صنفت فيه المؤلفات. وعن تسميته بهذا الاسم يجيب ابن الرشيق قائلا : ((ماثل لخاطر الإنسان ابدا يتأسى به، ويعظ ويأمر و يزجر. وفيه ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، و إصابة المعنى، وحسن التشبيه)).
ويمتدحه ابن المقفع قائلا: إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وأنقى للسمع و اوسع لشعوب الحديث)). شكرا أستاذنا الكريم على هذا التحليل الرائع و التوضيح الهادف.