
بقلم/ د. جملاء الغامدي
حين نكبر، نظن لوهلة أن الرحيل عن الأماكن التي ضحكنا فيها، ولعبنا فيها، وتكوّنت فيها أجمل ذكرياتنا، سيكون مجرد انتقال جغرافي… ولكن الحقيقة المؤلمة أن الرحيل لا يكون عن المكان فقط، بل عن نبضٍ من القلب، عن عمرٍ مضى، عن ضحكاتٍ عذبةٍ صدحت في أركان البيت، عن أصوات الأخوات وهنّ يتهامسن قبل النوم، يخططن لنزهة الغد، أو يختلفن أي نكهة آيس كريم سيتقاسمنها في السوق القريب.
كلما أوصدنا باب البيت خلفنا، وابتعدنا في طريقٍ طويلٍ تفرضه الحياة، نخالنا أقوياء… حتى تباغتنا الغصة، وتخنقنا العبرة، وتعيدنا الذكرى إلى لحظةٍ كنّا فيها نجري معًا خلف فراشة، أو نضحك بلا سبب على نكتةٍ لا تستحق كل هذا الضحك، لكنّها كانت كل شيء.
الأخوات… هنّ الرفيقات الأوائل، شريكات الأسرار والوجع، الداعمات في غياب الآخرين. معهن، حتى الشوارع كانت تبدو أوسع، والسماء أقرب، والضحكة أصدق. كانت نزهاتنا البسيطة تخلق عالمًا من الجمال… جلسة في ظل شجرة، فطيرة نتقاسمها، صورة نلتقطها في غفلة من الزمن، كانت تكفي لنكتب من خلالها ألف قصة حب وبهجة.
ثم نكبر… ونرحل.
لكنّ القلب يبقى هناك، عالقًا في ضحكةٍ لم تكتمل، في حضن أمٍّ دافئ، في صخب صباحٍ كنّا نتهيأ فيه للخروج سويًا، نختلف ثم نتصالح، ولا نفترق أبدًا.
الرحيل، مهما تكرر، لا يعلّمنا الفقد. كل مرة نرحل، نشعر بنفس الغصة، ونحمل في حقائبنا الدعاء بأن نعود، ويكون الجميع بخير. نعود فنجد البيت كما هو، والصوت كما عهدناه، والضحكات في أماكنها تنتظرنا.
نشتاق… ونتألم… ونحبّ أكثر.
لأن الأخوات هُنّ الوطن حين يتغير كل شيء، وذكرياتنا معهنّ هي الحنين الذي لا يموت
عسير صحيفة عسير الإلكترونية
د. ما أجمل حياتكن مع نكهة المثلجات و مطاردة الفراشات!
في مكان آخر وزمن سابق نتقاسم كسرة خبز التنور اليابس ونطارد الضأن والماعز في الجبال.