«قرض.. أرض.. قرض.. أرض»

تكون أحلام المساء للشاب السعودي موزعة بين كابوس «القرض» الجاثم على الصدور والقلوب، والخيال القاهر الذي يسحب التفكير في لحظة انتشاء إلى المتسمرة في خانة المستحيل السيدة «أرض»، بينما الصباح يزرع فينا كل الأمنيات الشهية، حين نستمع لأحاديث المسؤولين في وزارة الإسكان، ونفهم أنها تقود الفئة الحالمة المنتظرة بمشاريعها البسيطة على الخريطة الكبيرة إلى شيء من التفاؤل الذي لا أجده على الصعيد الشخصي إطلاقاً.

الماء زاد على الطحين، إن صح تعبير مثلنا الشعبي العريق والمتجدد، وما تمنحه الوزارة حديثة الولادة – بالمقارنة مع أخواتها الكبيرات – من أرقام ووعود، هو ذرّ منظم للرماد في العيون، وليت أنها تقاتل خوفاً من فشل محتمل أو صعوبات في الطريق، لتغيير المسمى إلى «وزارة الأراضي وتفعيل القروض»، وليس ذلك تقليلاً من شأن الشيخة وزارة الشؤون البلدية والقروية التي تحتضن الأراضي، لكن ليست أكبر همها، ففي حضنها من الأجندة والمهمات والرغبات التنموية، ما يجعل الأراضي وفك الحصار عليها أو متابعة ما يستجد في مساحاتها من وضع يد أو طارئ أو اغتصاب أو تشبيك، مهمات مستحيلة الحلّ السريع والفوري.

وزارة الإسكان يعلّق عليها من لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب كثيراً من التطلعات والتوقعات، ولكن أي مولود سريع يحتاج إلى رعاية فائقة، ليغادر من وضعه المهزوز إلى وضع أكثر اطمئناناً وسعادة، وهي تقول وأخشى ألا تفعل ما تقول، كما أظنّ أنها لن تتمكن من فعل مما تقول كثيراً، فقدراتها إن كانت متوافرة لكنها ليست بحجم الوجع المتوزع، والحلول البطيئة أو الهشة والقادمة على هيئة حبوب مهدئة، تقاوم المرض وقتياً، لكنها لا توقفه، ولا تتجنب مضاعفاته.

«القرض» أصبح لصيقاً بأي شاب يضع قدمه الأولى في طريق المستقبل، ولعل هذا الالتصاق وليد العادات الخاطئة أو الفوضى بين الاحتياج الحقيقي أو الترف الزائد المصحوب بعاصفة من لعنة التمايز الاجتماعي، ولكن «القرض» لم يعد «يؤكل أرضاً»، وهذا فتيل الخوف والإحباط الذي يسكن جيل الشباب من مستقبل مظلم مليء بكوابيس القروض وأحلام العجزة وصباحات التنظير ومساءات الخيبة.

كم نسبة من يحتاج إلى سكن؟ وما نسبة المقدم لهم على مرّ الأعوام المقبلة؟ ونوعيته؟ أتمنى ألا تضيق الآراء، وتتقلص المساحات السكنية في وطن كبير، ومعها تتقلص النسب عمداً، لإقناع المجتمع المتقاطع، إن آلية العمل تسير وفق خطط علمية مدروسة، وهي الخطط التي نسمع بها، لكن تأثيرها يشبه تأثير الخط الجميل والأنيق على مساحة شاسعة من المياه، ولكم أن تقرؤوا خط التفاؤل لدى شاب سعودي يبدأ حياته بالتفتيش عن وظيفة، ليستهلك القرض بعد ذلك ما توفّر له من لقمة العيش، ثم يعيش بقية حياته مفككاً من إنهاك الانتقال من مسكن مستأجر إلى آخر، وتبعاً للحال المزاجية للملاك الذين يسندون قراراتهم على أن لا قانون يحكم، ولا ضابط ينظم هذه الفوضى، ولا تلوموا أي شاب يدخل في خريطة الهلوسة على هذا الوزن الموسيقي، «قرض… أرض.. قرض.. أرض».
>

شاهد أيضاً

تعليم سراة عبيدة يحتفي باليوم العالمي للدفاع المدني

صحيفة عسير _ يحيى مشافي شاركت إدارة تعليم سراة عبيدة مُمثلة بإدارة الأمن والسلامة المدرسية …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com