
بقلم الكاتب/ ظافر الشهراني
يعيش الإنسان في هذه الدنيا متنعمًا، منغمسًا في ملذاتها، يذرع الأرض طولًا وعرضًا، ويتنقل في جنبات الديار متأملًا، يخطط ويؤمل ويجمع ويرتب، وكأن الحياة قد كُتبت له على الدوام، وكأن الأيام ماضية على ما يحب ويشتهي.
غير أن الدنيا لا تثبت على حال، ولا تمضي على وتيرة واحدة؛ فهي دار تقلب وتغير. فكم من إنسان كان صحيحًا معافى فأصبح طريح الفراش، وكم من قوي أمسى ضعيفًا، وكم من حاضر بين الناس أصبح فجأة ذكرى أو خبرًا يروى.
بل إن بعض الناس لا يرحل عن الدنيا، لكنه يرحل عن وعيها؛ يقعده المرض، أو تذهب ذاكرته، أو تتبدل أحواله حتى يصبح غريبًا بين أهله وذويه. حينها يدرك الإنسان أن العمر ليس مضمونًا على الصورة التي يتخيلها، وأن الصحة ليست وعدًا دائمًا.
عند هذه اللحظة يقف المرء مع نفسه وقفة مراجعة، ويعيد ترتيب أولوياته، ويستحضر وصية النبي صلى الله عليه وسلم التي تختصر طريق الحياة كلها
اغتنم خمسًا قبل خمس
شبابك قبل هرمك
وصحتك قبل سقمك
وغناك قبل فقرك
وفراغك قبل شغلك
وحياتك قبل موتك.
إنها كلمات قليلة، لكنها منهج حياة كامل. فهي تذكّر الإنسان بأن الفرص التي بين يديه اليوم قد لا تكون متاحة غدًا، وأن أعمار الناس ليست إلا مراحل قصيرة تتبدل سريعًا.
فالشباب طاقة لا تدوم، والصحة نعمة قد تزول في لحظة، والفراغ قد يتحول إلى انشغال دائم، والحياة نفسها رأس المال الحقيقي الذي متى انتهى لا يمكن تعويضه.
ولهذا كان العاقل من نظر إلى الأيام بعين البصيرة لا بعين الغفلة، فاستثمر صحته في الطاعة، ووقته في الخير، وطاقته في نفع الناس، وعمره في عمل يبقى أثره بعد الرحيل.
إن الإنسان لا يملك أن يوقف عجلة الزمن، لكنه يملك أن يحسن استثمار ما بقي من عمره، وأن يجعل أيامه خطوات تقربه إلى الله، وتترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
فما دام في العمر بقية، وفي القلب نبض، وفي الجسد قدرة، فالباب مفتوح، والعمل ممكن، والفرصة قائمة. والسعيد حقًا من وعظ بغيره، وبادر قبل أن يأتي يوم يتمنى فيه الرجوع فلا يستطيع.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية