لذّةُ التمهّل

بقلم/ حسن بن عايض ال معدي

نحن نعيش اليوم في سباقٍ محموم مع عقارب الساعة، وكأننا في حلبة مطاردة لا تنتهي. لقد طالت عدوى “السرعة” أدق تفاصيل حياتنا، حتى بتنا نستكثر الدقائق على فكرةٍ عميقة، أو مشهدٍ سينمائي متأنٍ.

انتقلنا من عصر القراءة المتأملة إلى عصر “الخطف” البصري؛ نُسرّع مقاطع الفيديو بضغطة زر ، ونميل لتلك المقاطع القصيرة التي تمنحنا جرعة سريعة من الدوبامين ثم تتركنا بذاكرة خاوية. هذه العجلة ليست مجرد نمط حياة، بل هي مقامرة بوعينا؛ فالعقل الذي يتعود على الوجبات السريعة من المعلومات يفقد تدريجياً قدرته على التركيز العميق، والصبر على بلوغ النتائج، والتلذذ بالتفاصيل التي تصنع دهشة الحياة ولحظاتها الجميلة.

الخطورة تكمن في أننا حين نُسرّع كل شيء، نحن في الحقيقة “نختصر” أعمارنا لا وقتنا. فالحياة لا تُقاس بعدد المهام المنجزة، بل بعمق الشعور بكل لحظة تمر. إن “لذة التمهل” هي ترياق هذا الزمان؛ أن تشرب قهوتك دون النظر في شاشة هاتفك، أن تقرأ كتاباً بتمهلٍ يتيح لك سماع صوت الكاتب بين السطور، وأن تمشي في الشارع مراقباً وجوه المارة وتفاصيل الطريق، لا لكي تصل فحسب، بل لكي تكون موجوداً بالفعل.

يا صديقي، ليس من الضروري أن نكون الأسرع دائماً، فالجمال يكمن في “البطء المتعمد”. تذوقوا أيامكم، أبطئوا إيقاع خطواتكم، فالأشياء العظيمة تُنضج على النار الهادئة.

إنَّ جودةَ الحياةِ لا تكمنُ في عبورِ اللحظاتِ، بل في استيطانِها؛ فالوقتُ الذي لا نسكنُ فيه، لا يسكنُ فينا.

شاهد أيضاً

شركات الطيران بين إعادة الجدولة وأسعار الوقود

محمود النشيط معادلة جديدة دخلت في عالم السفر والسياحة منذ اندلاع أحداث الشرق الأوسط قبل …

تعليق واحد

  1. طارق القحطاني

    ابدعت مشاء الله تبارك الله كلام جميل جدا لمن يتامل هذا الكلام

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com