
بقلم / عبد الجبار الخليوي
وُلدتُ أول ما وُلدت في حضن قرطاس المدرسة؛ من كتب ودفاتر؛ وكان قرطاس تلك المرحلة أبيض كالبدايات؛ ناصعًا كقلب طفلٍ يخط أول حرفٍ وهو لا يدري أنه يكتب عمره؛ ليكون بصمة له.
كنتُ أمسك القلم بيد مرتعشة؛ كما يمسك الغريق بخشبة نجاة شاهدها أثناء العوم؛ وكنتُ أخط الحروف لا لأنجح فحسب؛ بل لأثبت لنفسي؛ أن لي أثرًا في هذا العالم في يوم ما.
كانت دفاتر الواجبات تضجّ بالأخطاء الكثيرة؛ مصححة وغير مصححة؛ لكنها كانت أيضًا تمتلئ بشيءٍ خفي جداً؛ هنالك لي رغبة مبكرة في أن تكون بيني وبين القرطاس علاقة صداقة لا تنقطع؛ كأنه عهد وميثاق بيننا منذ أيام الطفولة.
ثم انتقلتَ كما ينتقل النهر الجاري من جدولٍ إلى مجرى؛ إلى قرطاس العمل في بنك الرياض؛ وهنا لم يعد الورق أبيض بريئًا؛ بل صار رسميًّا؛ مختومًا، محسوب الأنفاس؛ يحمل الجدية وطابع المحاسبة على الأخطاء؛ والمسؤولية في التقصير.
أرقامٌ كثيرة فوق الصفحات؛ تتراص كجنود؛ وتواقيعُ تُنهي وتُثبت وتُقرّر؛ لكن خلف تلك الأرقام؛ كان هنالك قلبي يهمس بخوف شديد:
ليس هذا ورقي الحقيقي.. هذا ورقُ العيش وورق بناء مستقبل؛ لا ورقُ الحياة التي رسمتها طموحاتي.
كنتُ أُقلب أوراق المعاملات التجارية بين الملفات الكثيرة؛ بينما كان في داخلي يتقلب شوقٌ وشغفٌ لقرطاسٍ آخر؛ لم يُعلن ميلاده.. قرطاس لا يُطلب فيه رصيد؛ ولا ترصيد؛ ولا قيد مزدوج؛ فيه دائن متفرعن ولا مدين مسكين؛ بل يُودَع فيه المعنى؛ حتى إذا آن الأوان انحرفت البوصلة قليلًا.. لا لتضيع؛ بل لتجد لي الطريق.
ثم دخلتُ إلى قرطاس المكتبة؛ وهناك حدث التحول الهادئ الذي لا يسمعه إلا من عشقه وعاشه؛ فالكتب لم تكن بضاعةً على رفوف مكتبتنا؛ بل كانت أرواحًا مصطفّة تنتظر من يُحييها، كنتُ أبيع كتابًا؛ لكني في الحقيقة كنتُ أُسلم قارئًا مفتاح عالم.
كانت رائحة الورق القديم تُعيد ترتيب نفسي من الداخل؛ وكأني أخيرًا عدت إلى بيتي الأول.. ولكن بوعيٍ هذه المرة؛ وفي كل يوم؛ كنتُ ألمس كتابًا؛ وفي كل لمسة كان شيءٌ بداخلي يُكتب دون أن أدري.
ثم جاء قرطاس الكتابة.. وهو القرطاس الذي لم يعد يحتملني كقارئ فقط؛ بل طلب مني أن أكون خالقًا للنص؛ من هنا لم أعد أقرأ الحكايات؛ بل أصبحتُ أصنعها؛ لم أعد أتأمل الكلمات؛ بل صارت الكلمات تتأمل مشواري في الكتابة؛ أجلس أمام الورق فلا أعلم:
هل أنا الذي يكتب؛ أم أن القرطاس هو الذي يكتبني؟
فكل روايةٍ كتبتها أصبحت قطعةً مني؛ وكل سطرٍ كان محاولة لفهم هذا العمر الممتد بين قرطاسٍ وقرطاس.
لم تكن الكتابة عندي مهنة رسمية؛ بل كانت خلاصًا من شيء في داخل النفس؛ كأني منذ أيام طفولتي؛ منذ أول حرفٍ خطته يدي؛ كنتُ أمشي نحو هذه اللحظة دون أن أعلم إني مسافر في طريق الكتابة.
وهكذا.. لم تكن حياتي انتقالًا بين أعمال؛ بل كانت رحلة قرطاسٍ يتبدل شكله؛ ويبقى جوهره واحدًا؛ من قرطاسٍ نتعلم فيه؛ إلى قرطاسٍ نعمل به؛ إلى قرطاسٍ أبيعه؛ إلى قرطاسٍ أخلقه.. حتى صرتُ أنا نفسي قرطاسًا حيًّا؛ أقرأ وأكتب ولا أنتهي؛ وتُطوى صفحاتي؛ لكن لا يُطوى أثري إن شاء الله.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية؛ أني لم أخرج من القرطاس يومًا؛ بل كلما ظننتُ أني غادرت قرطاسًا وجدتُ نفسي قد دخلت قرطاسًا أعمق.. فالحمد لله..
06/04/2026
عسير صحيفة عسير الإلكترونية