بين قلق الأب وهدوء النفس.. موقفٌ أعاد للطمأنينة معناها

بقلم/ محمد عمر المرحبي

في الطريق إلى مستشفى القنفذة العام لم أكن أحمل معي سوى قلق أبٍ يبحث عن علاج لابنته بعد محاولتين سابقتين في بعض المستوصفات الأهلية لم تحقق الأثر المأمول. كان الأمل هذه المرة معقوداً على قسم الطوارئ رغم ما نعرفه جميعاً عن الضغط وكثرة المراجعين.

وصلنا وكان المشهد مزدحماً مرضى ينتظرون وأسِرّة مشغولة وإجراءات تسير بوتيرتها التي تفرضها طبيعة الحالات. سجلنا الدخول وأخذنا ورقة تسجيل حالة وقدمتها للممرضة لتسجيل القياسات الحيوية ثم التزمنا بالدور حسب الرقم لم يكن هناك خلل ظاهر بل كان ضغطاً واضحاً على كل من في القسم.

لكن الانتظار حين يقترن بالقلق يصبح ثقيلاً. كنت أتنقل في الممرات أحاول أن أتماسك بينما ملامحي كانت تقول ما لا أريد قوله. في تلك اللحظة مرّت طبيبة توقفت ونظرت بعينٍ لم تمرّ مروراً عابراً ثم قالت: تفضل يا عم، ماذا نستطيع أن نخدمك فيه؟ نحن هنا في خدمة المرضى جميعاً

قد تبدو جملة عادية لكنها في ذلك الظرف كانت كفيلة بأن تعيد ترتيب الشعور في الداخل. لم تكن مجرد عبارة بل كانت موقفاً. لم أكن أعلم أن مَن تقف أمامي هي رئيسة القسم شرحت لها حالة ابنتي فتحركت مباشرة وبحثت بنفسها عن مكان مناسب لفحصها والاطمئنان عليها إلى حين توفر سرير داخل القسم. لم تنتظر إجراءً ولم تُحِلني إلى غيرها بل تعاملت بروح المسؤولية التي لا تُدرَّس في الكتب بل تُبنى في النفوس.

وفي غضون ذلك حضر مدير المستشفى الدكتور *عبدالعزيز أحمد هيجان*، برفقة عدد من الأطباء في جولة ميدانية لم تكن تهدف لتفقد الأوراق فحسب بل كانت وقوفاً مباشراً منه على سير العمل داخل قسم الطوارئ. كان المشهد لافتاً إذ رأيت مديراً يقف بنفسه في قلب الميدان يتابع جاهزية الأطباء والممرضين ويحثهم على بذل أقصى الجهود مما رفع من معنويات الطاقم وزاد من سرعة الاستجابة.

لم يكتفِ الدكتور عبدالعزيز بالمتابعة الإدارية، بل تجلى دوره الفعال في لطفه البالغ مع المرضى ومرافقيهم كان يستمع بإنصات ويجيب بتواضع ويمسح بكلماته الطيبة جزءاً من قلق المنتظرين. هذا الحضور الميداني القريب كسر الحاجز بين الإدارة والمستفيد وأثبت أن القيادة الحقيقية هي التي تلامس حاجة الناس في أحلك لحظاتهم.

وكانت تلك الطبيبة ضمن الفريق تعمل بهدوء وثقة. سألت عن اسمها فقيل لي: *الدكتورة مريم من دولة الجزائر الشقيقة*.

وهنا يتجاوز الموقف حدوده الضيقة ليكشف عن معنى أوسع: أن العمل الصحي ليس مجرد أجهزة وإجراءات بل هو منظومة إنسانية متكاملة تتجلى فيها القيم قبل المهارات. وأن الكلمة الطيبة والمبادرة السريعة والاهتمام الصادق قد تكون في بعض الأحيان أبلغ أثراً من كثير من الأدوية. كما أن ما يُرى من بطء أحياناً لا يعني تقصيراً بل قد يكون انعكاساً لضغط كبير يُدار بإمكانات محدودة وهنا تظهر قيمة الإدارة الحاضرة والفريق الذي يعمل بروح واحدة.

ما رأيته في مستشفى القنفذة العام لم يكن حالة مثالية خارقة بل كان نموذجاً لما يجب أن يكون: كفاءة في الأداء وإنسانية في التعامل وإدارة قريبة من الميدان.

فشكراً للدكتورة مريم على موقفها النبيل وشكراً لمدير المستشفى الدكتور عبدالعزيز أحمد هيجان على حضوره ومتابعته ولطفه مع الجميع وشكراً لكل كادر يعمل بصمت ليخفف عن الناس آلامهم. مثل هذه المواقف لا تُنسى لأنها لا تعالج الجسد فقط بل تترك في النفس أثراً يبقى.

شاهد أيضاً

شركات الطيران بين إعادة الجدولة وأسعار الوقود

محمود النشيط معادلة جديدة دخلت في عالم السفر والسياحة منذ اندلاع أحداث الشرق الأوسط قبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com