
عبدالله سعيد الغامدي.
ليست الأمم العظيمة تلك التي تُتقن الانتقام، بل تلك التي تُجيد صناعة العدالة. فالثأر، مهما ارتدى ثوب الشجاعة أو تستر بشعار استرداد الحقوق، لا يملك القدرة على بناء دولة، لأنه يُشيّد جدران الكراهية قبل أن يُقيم مؤسسات الاستقرار.
الدولة لا تنشأ من فوهة الغضب، وإنما من هيبة القانون. ولا تُصان بالثأر، بل بالعدل الذي يُطمئن المظلوم، ويكف يد المعتدي، ويجعل الجميع سواء أمام القضاء. وحين يغيب القانون لتحل محله ثقافة الانتقام، تتحول المجتمعات إلى ساحات مفتوحة لتوارث الأحقاد، حيث لا غالب فيها إلا الخسارة، ولا منتصر سوى الفوضى.لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لم تنهض لأن أفرادها كانوا أكثر قدرة على الثأر، وإنما لأنها استطاعت أن تنقل الناس من حكم الأهواء إلى حكم الأنظمة، ومن منطق القوة إلى قوة العدالة. فالقانون هو السور الذي يحمي الأوطان، أما الثأر فهو معول يهدم الثقة ويبدد الأمن ويزرع الخوف في النفوس.إن المجتمعات التي تتسامى فوق جراحها، وتحتكم إلى القضاء، وتؤمن بأن العدالة مسؤولية الدولة لا الأفراد، هي المجتمعات التي تملك مستقبلها. أما تلك التي تُطلق العنان للثأر، فإنها تُورث أبناءها صراعات لا تنتهي، وتستهلك طاقاتها في معارك الماضي بدلًا من بناء الغد.ومن هنا، فإن المبادرات الحقيقية التي تستحق الاحتفاء ليست مبادرات الثأر، بل مبادرات الصلح، وإصلاح ذات البين، وتعزيز سيادة القانون، ونشر ثقافة التسامح؛ فهي وحدها القادرة على حماية الدماء، وترسيخ الأمن، وصناعة مجتمع متماسك ودولة قوية.
إن الثأر قد يشبع رغبة لحظية في الانتقام، لكنه لا يصنع وطنًا. أما العدالة، فهي التي تبني الدول، وتصون الكرامة، وتكتب للأمم تاريخًا يستحق أن يروى .حفظ الله قيادتنا الرشيدة والوطن الغالي والشعب السعودي الوفي .
عسير صحيفة عسير الإلكترونية