(مكيّة الهوى)

بقلم/دولة الكناني

صوت المطر، عاد بي حيث أحب صوت وقعه على الأرض هيض الوجدان، وزلزل الأركان، وأدمى الأعين.

إنني في بلد غريب لا أعرف فيه سوى هذا الطائر الأبيض الذي اتخذته خليلا، أُحادثه بأحاديث لايعرفها بشر يطير في جو السماء ويسبح في ملكوت الله بحرية تستفز حريتي فيسبح معه الفكر، و يأخذني حيث حبيبتي وأحضانها، ورائحتها العطرية، وقداستها المكانية، وجبالها الأبية، و وديانها البهية، وغارها الطاهر، وشوارعها الآمنة المطمئنة.
قبلة الروح والجسد، والفكر والعقيدة.
فهل أنثر لكم جواهر الحديث عنها ممزوجة بالحب والعشق أم بالحنين!
هنا دموعي تسابق الكلمات والحنين تتنهده الأحرف..
الآن الحب يتحدث لا شيء غير الحب..!
اُنظروا لها بعيني ولاتسألوني عن غيرها.؟
فإني شربت ماءها العذب النقي طعام طعم وشفاء سقم،وأكلت تحت شجرها الشوكي، ولعبت بثمر (العشر) الأخضر وزهره ذو الرؤوس البنفسجية، وصنعت شرابًا من إذخرها العطري،وحمت بأرضها في الحر والقر،و لمنى وعرفات ومزدلفة أعلنت العشق والحب الأبدي.
وكثيرًا ما أطعمت (حمام الحمى) (الحبَّ) حبًا وسلامًا، وتأملت بديع هيئته عبادةً، وعشقًا فراح يرفرف في الإرجاء معلنًا آمانه الأزلي من الصيد فأغراني برفرفة جناحيه فأطلت التأمل فيه والبقاء معه(قد بنى عشه بقلبي)!
وكنت بشكل دائم أنتظر صباحها النقي الذي أعشقه وشروق شمسها الساطع فأغني مع الطيور ألحان السلام، والطهر، والقداسة، والنقاء، و بلهفة أجري في شوارعها الضيقة المكتظة بأحبة القلب ضيوف الرحمان، وأتجول في أسواقها أنظر للهدايا التي صنعت لهم بحب وغلفت بمودةٍ وتقدير.
ويالجمال محبوبتي حين يعانقها الغيث!
آه لها بهيّة حين تمطر سمائها وتتلبد غيومها كترنيمة عشق يصوغها عاشق مغترب،فزخات مطرها الطاهر تدعوك للدعاء وتلاوة القرآن فتصبك الخشية وتتنسك فجأة!
مطرها بالمختصر طهر ينهمر على طهر..!
حتى هزيم رعدها له وقع مختلف يجعلك مضطرب المشاعر وتردد التسبيح فترى في الآفاق بدائع الرحمان.
وحين يحلُّ ليلها أسامر قمرها البهيّ، وأدعوا في سحرها السحري فيجتمع لي شرف الزمان والمكان.
وكيف لي أن أصف ليل معشوقتي الطاهرة وهي ترتدي ثوب الأشهر الحرم؟
فلطالما في هذه الليالي دعاني الشوق فسرت في غسق الدجى تسابقني اللهفة لبيتها العتيق فأسري دامعة العين، مضطربة الجوارح، مثقلة القلب، متعبة الفكر، أحمل همومًا على همومي، وأجر بخجلٍ أوزاري وذنوبي لأعلن في وجهها التوبة التوبة.،وأطوف في البيت شوقًا، ورجاءً، ورغبةً، ورهبةً، وحبًا، وطاعةً، واقتداءَ،فتتناثر مع الطواف الهموم، وتنحل العقد، وينشرح الصدر، ويطمئن القلب ويستقر، ويذهب الوجع و يتولى الكرب، ثم أختلي بين أعمدته الشامخة تدثرني الطمأنينة فأستشعر حياة النبي صلى الله عليه وسلم أطهر إنسان، وأرحم قلب وأشجع رجل قضى حياته لله فمن غار حراء كانت إضاءة الكون وهداية الأمم خرج منه برسالة غيرت التاريخ، وبدلت الظلمات، وحطمت الوثنية وأكرمت الإنسان وأقامت العدل، ومن أجل هذه الرسالة ضحى الصحابة رضي الله عنهم بأروحهم ومضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أحبة وصحبة وطاعة.
يا إلهي! على هذه الأرض عاش الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه وتألم وأوذي وأُخرج وهو من قال :
( وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ.)
هنا العبرة تخنقني شوقًا لمن أضاء طريقي بدعوته السامية.
ومـما زادني شـرفا وتيها
وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صيرت أحمد لي نبيا

يا الله ماهذه الروحانية والسكينة والأطمئنان الذي يعم أرجاء البيت الحرام!
أمان وطهر وقدسية وحب إلهي أي خصائص تفردتِ بها يادعوة إبراهيم!
وماذا عسى القلب أن يكتب؟

فإن تقترب منها فبالقلب حبها
وإن تبتعد عنها فشوقك أعظم.

وها هو طائري يحلق ويعانق الغيوم وأنا مازلت خلف نافذتي أنظر وأردد بيت وقع في القلب..

الجسمُ في بَلَدٍ و الرُّوحُ في بَلَدِ
يا وحشَة الرُّوحِ بَلْ يا غُربَةَ الجَسدِ

شاهد أيضاً

(الكسوف والخسوف)

بقلم/خالد بن محمد الأنصاري إن «الكسوف والخسوف» مشهدان عظيمان يذكران بيوم العرض بين يدي الله …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com