
صحيفة عسير – ظافر الشهراني
لفت نظري ذلك البناء المحكم وله فتحات وباب جانبي في احد المتاحف التراثية فبادرني صاحب المتحف بقوله هذا البناء هو الجصة ، الجصّة بناءٌ تراثي بسيط كان يعتمده المزارعون قديمًا في بيوتهم، وهي غرفة صغيرة تُشيَّد من الحجر وتُطلى بالجص أو النورة البيضاء، صُمِّمت خصيصًا لتخزين التمر واستخلاص الدبس بطريقة تقليدية متوارثة.
تُبنى الجصّة من الصخور المتوفرة في البيئة، وتُغطّى من الأعلى بخشب أو صفائح حجرية بطول قامة الرجل تقريبًا، ولها فتحة علوية يُدخل منها التمر، وفتحة سفلية صغيرة مخصصة لتسريب الدبس. كما تحتوي على باب جانبي يُستخدم عند رصّ التمر داخلها.
طريقة الاستخدام التقليدية
يبدأ المزارع بتنقية التمر من الشوائب، ثم غسله بالماء ونشره قليلًا في الهواء حتى يجف نسبيًا. بعد ذلك يُدخل التمر إلى داخل الجصّة ويُرص بعناية، مع وضع جريد النخيل بين الطبقات، ثم تُوضع الأحجار الثقيلة فوقه للضغط. يُغلق المدخل بإحكام، ومع مرور الوقت يبدأ الدبس بالنزول تدريجيًا عبر الفتحة السفلية.
يُجمع الدبس ويُستخدم في إعداد الأكلات الشعبية، وأحيانًا يُعاد جزء منه داخل الجِصّة ليمنح التمر نكهة أعمق وحفظًا أطول. وبهذا كانت الجصّة تؤدي وظيفة مزدوجة: مخزنًا للتمر ومصنعًا طبيعيًا للدبس، قبل ظهور مصانع التمور ووسائل التبريد الحديثة.
قيمة تراثية
تُعد الجصّة اليوم جزءًا من التراث الزراعي المندثر، وشاهدًا على بساطة الحياة وحكمة المزارع في استثمار موارد البيئة. وقد أُعيد إحياء هذا الموروث بإنشاء جِصّة بالطريقة القديمة في متحف تراث الأجداد، بقرية الحيفة بمحافظة بيشة لصاحبه علي بن ناصر الدعرمي الشهراني، لتبقى الجصّة حاضرة بوصفها ذاكرة مكان وهوية زراعة، لا مجرد بناء من حجر وجص. وقد شكر الشهراني نادي سمو الاعلامي لتسليطه الضوء على الإرث التاريخي والحضاري في المنطقة .

عسير صحيفة عسير الإلكترونية