قصة أبو عبدالله والرضيعة التي نجت من الحادث قبل 50 عام 

بقلم / زارب بن علي آل معدي

يروي لنا( القحطاني ) وهو الآن في الثمانينات من العُمر – متّعه الله بالصحة والعافية – قصة عجيبة حصلت عليه ، بدأت فصول هذه القصة قبل مايقارب 50 عاماً ، وانقطعت قبل سبعة عشرة سنة تقريباً ، ومازالت فصولها لم تنتهي ، خارجةً عن ارادة المُخرِج كما يقولون ، ومن خلال سرد هذه الرواية لعلها تصل الى الطرف الآخر ، لتكتمل القصة ، وينتهي الطرفان من حَسرة الموقف وتبادل المعروف والجميل .

كانت الرواية لهذه القِصَة ، مساء يوم الجمعة ١٧ / محرم/ ١٤٣٧هـ لأحد ضيوفي الأعزاء بالمجلس ( حمد القحطاني ) الملقب بـ( أبو عبدالله ) حيث أنصت الجميع ، لعظمة قُدرة الله وعجائب القضاء والقدر بإذن الله في هذه القصة العجيبة ، التي جعلت من السامعين بالمجلس ، صغيراً وكبيراً ، أن يصمتوا ، بِدّقةٍ ، ومتابعة ، بإشتياق ، لفصول الأحداث ، التي جعلت من البعض أن يجهش بالبكاء في آخر المطاف ، والاعتبار بقدرة الله العظيم ، وسوف أعيد قصتها لكم اليوم حيث كانت بداية الحدث في ما يُقارب عام ١٣٩٤هـ للهجرة فقد كان ( ابو عبدالله ) في عنفوان الشباب آنذاك ، ترك السلك العسكري بعد خدمة ست سنوات تقريباً ، وقرر على العمل الحُر ، بشراء سيارة تاكسي ( أجرة ) وأستمر في هذه المهنة ، مابين المنطقة الشرقية ( الدمام والخبر ) والعاصمة الرياض ، وبإحدى السفريات ، في ذات ليلة عصيبة ، كان قد أشتد بها الظلام ، وفي وقت متأخر من الليل ، ولم تكن الطرقات آنذاك كما هي عليه الآن ، ولله الحمد والمنّة ، تفاجأ أبو عبدالله بحادث مروري أمامه ، كان قد وقع بمنطقة تسبق منطقة ( سِعْد ) قُبيل العاصمة الرياض ، بـ ١٥٠ كيلوا تقريباً ، وكان ( أبو عبدالله) ممن حضر ذلك الحادث من المواطنين المسعفين ، أو الشرطة آنذاك ، حيث كان قضاء الله وقدره بواقعة هذا الحادث قد تسببت في وفاة عائلة كاملة ، مكونة من الزوج والزوجة ، وأبنائهم الخمسة تقريباً ، رحمهم الله جميعاً ، وبعد الانتهاء من نقل الجثامين الى الرياض وفحص السيارات ، وانتهاء حصر الوقوعات للحادث ، ومغادرة الناس للموقع ، وما كان من ( أبو عبدالله ) إلا أن أوقف سيارته بالصدفة مرة ثانية وعلى بعد خمسين متراً تقريباً من مكان الحادث ، بقصد الخروج للخلاء ، بجانب الطريق ، وحينما هْمّ بالجلوس ، تفاجأ بجسمٍ صغير ، وجثة هامدة ، ملطخة بالدماء ، والتراب ، قريبةً منه ، فعاد مُنفجعاً من الموقف ، ومسرعاً لسيارته ، ليحضر جهاز الكشاف ( جهاز يدوي يضيئ ويعمل على البطاريات الجافة ) ليتأكد ماذا رأى في ذلك المكان ؟!! وما إن وصل الى هذه الشيء ، حتى وجدها طفلة رضيعة ، لا تتحرك بتاتاً ، وأيقن بأنها كانت قد سقطت من السيارة ، إثر الحادث الماضي ، وأن لا أحد يعلم بها ، لكون الأسرة كلها ماتت بالحادث المروري المذكور ، فحملها ذلك الشاب ، حتى وصل سيارته وأخرج ( علبة من الماء ) في السيارة وغسل وجهها ، فإذا بها تستعيد أنفاسها ، وظهرت عليها الحياة من جديد بقدرة الله ، فاندهش من الموقف !! وأُبتلي بشيء لم يكن ليستطع التعامل معه !! فهو شاب وحيد ، وليس حوله أو معه من يساعده في الأمر ، وعائلته تسكن بالمنطقة الجنوبية ، فقام بغسل تلك الرضيعة ، وتنظيفها مما التصق بها من الدم والتراب ، ولفها بما يملك من قطع القماش ، التي بحوزته ، وأستبشر خيراً بإنقاذه لهذه الطفلة الرضيعة ، حاملاً عبء رعايتها ، لتصل الى مدينة الرياض ، وهي مازالت على قيد الحياة بقدر المستطاع ، وهبّ مسرعاً ومتوجهاً بها الى الرياض ، وبعد ساعات ، وصل بها الى أحد أقسام شرطة ومرور الرياض آنذاك ، رفضوا استلامها ، وفضلوا أن تبقى معه ، لحين يحضر أحد من أقارب هؤلاء الضحايا ، والله المستعان ، فيقول حينما تأكدت بأن الرضيعة بخير ، وقد حفظها الله من أي اصابة بالحادث ، أبقيتها معي ، وأخذت لها ملابس من السوق ، وحليب مجفف وأدوات الرضاعة ، وقمت برعايتها لمدة أربعة أيام ، حتى استدعتني الشرطة ، وأبلغتني بحضور أحد أقاربها ، وعلى ما أعتقد بأنه ( عمها ) ، حينها فَرحت وعرفت أنها فُرِجت ، وأقبلت مسرعاً ، الى مكتب الشرطة ، وهي بين أحضاني ، حتى تعَرَّفْتُ على عمها ، وسلمته إبنت أخيه ، وقد قام بشكري وتقديري بوقتها ، وبنفس الوقت طلب مني الضابط ابراز هويتي ليتأكد من بعض المعلومات لديه ، فأخرجت هويتي ، وهي ما كانت تُسمى سابقاً بـ ( التابعية ) كُتيب صغير يصدر من ادارة الاحوال المدنية آنذاك ، يحمل صورتي ، ومعلوماتي ، وبعض الاوراق الأخرى ، وما إن فتحت ( التابعية ) ومددت بيدي للضابط حتى سقطت من بين أوراقها صورة شخصية لي ، كانت زائدة ، كنت قد وضعتها قبل فترة ، ثم أُنسيتها ، فوقعت على الأرض ، فطلبها عم الطفلة الرضيعة ، لتبقى معه ، ودوّْن اسمي كاملاً خلف الصورة ، ووضعها بجيبه ، ثم قام هذا الرجل بتجهيز وجبة غداء جماعية ، وغادرت بعدها في أمور حياتي ، وانقطعت بيننا الاتصالات من وقتها ، لعدم وجود الوسائل الموجودة حالياً ، حتى بعد مرور ما يقارب أكثر من ٣٢ عام من الحادثة ، كنت موجود من باب الصُدفة ، على موعد مراجعة بوالدتي بمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض ، وتم تنويمها بأحد الأقسام بالمستشفى ، وبداخل احدى صالات الانتظار ، تلقيت اتصالاً من أحد الأقارب والأصدقاء ، رجلاً مُسناً من المنطقة الجنوبية ، وقال لي بالنص ( من معي ؟ أنت حمد ؟! ) فأجبته مؤكداً ذلك ، ونوع من الاستعباط بصراحة !! ( قلت له نعم ، أنا حمد (وسردت له اسمي كاملاً وانا أُمازحه ) وكأن بامرأة جالسة بالصاله على أحد الكراسي لا أعرفها ..! تتحرك بشكل مريب حولي !! وكأنها تتعرفني !! أو تريد شيئاً مني !! وبرفقتها أحد ابنائها الصغار ( إبن شاب ) دون أن تقترب مني ، واذا بها (( تلك الرضيعة )) التي كنت قد انقذتها مسبقاً بتلك الحادثة ، قد عاشت وأصبحت إمرأة ولديها أبناء ، لكن بالطبع في تلك اللحظة انا لا أعلم عنها شيئاً ، ولكنها سمعتني حينما أدليت بإسمي كاملاً للمتصل ، فتذكرت هي ( هذا الاسم ) لكونه موجود لديها مسبقاً – والاسم مدوّن من فترة طويلة بظهر الصورة – التي مازالت معهم ويتوارثونها للبحث عنّي ، من تلك الايام ، فابتعدت قليلا حتى انهيت مكالمتي ، واذا بهذا الشاب ( إبنها ) قادم اليَّ ، وسلّم على رأسي ، وقال لي يبدو انك رجل غريب ، لست من الرياض ، واذا بالمرأة وهي والدته تراقبه عن قُرب ، قلت له نعم أنا من الجنوب ، فقال اذن حياك الله عندنا وأعز ضيف يزورنا ، ومنزلنا قريب ، فشكرت له ذلك الأدب والدعوة واعتذرت ، لكنه مازال يُلح عليّ بقوة ، ويكرر الكلام ، وكأنه من أقاربي ويناديني ( يا عم ، يا جد ) لكبر سني ، وهكذا ….. حتى اقتربت والدته ، وألحت عليّْ قائلةً أطع ابني ، وبيتنا قريب ، وأنت رجل كبير في السن وغريب ولك الحق علينا ، حتى انهم غلبوني بحفاوتهم ودعوتهم ، ووافقت لهما بشكل عادي دون أن أعلم لماذا ؟!

وأبلغت والدتي بذلك ، وابنتي المرافقة معها ، بأني سوف أذهب للراحه قليلاً على ان اعود لهما لا حقاً ، وخرجت الى مواقف السيارات ، واذا بهم ينتظرونّي ، وطبعاً المرأة وابنها لا يعلمون عن سبب وجودي بالمستشفى أي شيء ، ولا حتى القِسم ، وكانت سيارتي بمواقف المستشفى ، وبالصدفة لا تبعد عن سيارتهم إلا قليلا عني وكانت سيارتهم انذاك ( كرسيدا اعتقد موديل ٨٠ ) ولحقت بها وابنها ، ولا أعرف من أين اتجهوا بي ؟! إلا أنني مررت من تحت كبري مُعَلّق ، وهكذا ..، والله أعلم بأنهم اتجهوا بي الى الدخل المحدود حالياً ، واقتربنا من منزلهم ، عِبارة عن بيتٍ من دورٍ واحد ، واستقبلوني ، ودخلت المجلس ، وأحضروا لي شيئا من الماء والقهوة ، وكانت المصيبة الكبرى ، حينما رفعت رأسي بجدار المجلس ، واذا بصورة شخصية مُكبرة ، ومعلقة ببرواز جميل ، تحمل ( ملامح وتقاسيم وجهي أيام الشباب ) فسألت ذلك الشاب ، وقلت له من هذا ؟!!

هل هو والدك أو أخيك ؟ ! فردَّ علي ّ قائلاً هذا قريب لنا وسكت ، فأوجست منه خِيفة ، وطلبت الخروج ، لغسل يدي على المغسلة اليدوية ، بالصالة الخارجية ، كتخطيط مني للهروب ، بصراحة ، فإذا بالصورة الأخرى أمامي معلقة وكأنها تلك الأولى ، عندها أيقنت أن حولي شيء مريب ، وبدأت أستأذن لكي أُغادر ، فطلبت المرأة ابنها من خلف الباب وحضر اليها ، وكأنها أوكلته عدة أسئلة ، لكي يوجهها لي ، وهي تستمع من خلف الباب ، و جائني قائلاً يا عم ..! هل عرفت هذه الصورة ؟ ! قلت لا .! ولكن كأنها لي مطلع شبابي ! فكيف بها هنا ؟!

أعاد لي سؤال آخر ، قائلاً هل وقع عليك حدث ؟! أو حادث منذ فترة ؟! فقلت لا ..! والحمد لله ، ولم يحضر ببالي شيء مما فات .

حتى أعاد الكرة بسؤال ثالث ، قائلاً هل أنقذت ناس بأي حادث مروري قبل كذا وكذا ؟! حينها تذكرت وقلت نعم

، القصة كذا وكذا ، وانتهت من زمان ، فماذا تقصد ..؟!

حينها تأكَدَت تلك المرأة ، من خلال استماعها من خلف الباب لإجاباتي ، والنقاش الذي حصل بيني وبين أبنها ، بأنها هي الطفلة الرضيعة ، وهذا هو الرجل الذي أسعفها ، وأنقذها وقام برعايتها ، بعد وفاة والديها ، بتلك اللحظات ، وهذه صورته بالفعل ، ودخلت عليَّ بالمجلس ،وأجْهَشَتَ هي بالبكاء ، وكشفت عن وجهها ، وتفاجئت بإقبالها علىَّ لتُقَبِلَ رأسي ، وتشكر الله أن حقق لها أمنيتها لتقابلني ، وترد لي الجميل ، وقد صمت ( أبو عبدالله ) قليلاً ثم أسترسل بالقصة معنا فقال ، فأخذته الرجفة ، والخيفة ، مِنَ الذي حدث ، وقال لها ، يا امرأة ؟!! من أنتِ حتى تدخلين بهذا الشكل ؟! قالت أنا ابنتك ، التي انقذتها بإذن الله ، قبل اكثر من ثلاثين عام ، ورعيتها أربعة أيام معك ، وأنت وقتها في ريعان شبابك آنذاك ، كُنت تمتلك معادن الأُسر الأصيلة ، ومن شجرة تربت على فِعل الوفاء والمعروف ، ولعلي أن أرد لك جميلك ، !! يا ابن الأوفياء ، وأنت الآن أصبحت أباً لنا بدلا من والديّ رحمهما الله ، وأملاً ، أرى فيك نوره ، وأبحث عنك كل هذه المدة ، فأجّهَشْتُ أنا بالبكاء من موقفها ، واستأذنت منهم ، لظروف مريضتي بالمستشفى ، فرَفَضت المرأة خروجي إلا أن أحدد لهما موعداً ليكرموني وأتعرف أكثر ، فوافقت لهما ، ووعدتهما بأنني سأعود قريباً وأزورهما ببيتهما إن شاء الله ، وغادرت المنزل ، وكُنت في حِيرة وإحراج ، وموقف عصيب ، ومدهش حقاً ، وبعد ما يقارب ساعة من الوقت بعد خروجي وعودتي للمستشفى ، وجدت نفسي أصبحت بعيداً عنهم وقد أخطأت ، وأُنسيت الموقع بالفعل ، لكوني لم استوعب من أين أتيت منزلهم ، أو كيف خرجت ،!! فلم أُرَكِّز على الطريق والعنوان عند الذهاب والإياب ، ففقدت العنوان والمنزل بالفعل ، ولم نفطن كلنا وقتها لأخذ أرقام الاتصال من بعضنا البعض وهكذا ، لحساسية الموقف ، والمفاجأة ، وكنت أفكر حينها فقط بالمغادرة ، وهم بالتأكيد اعتقدوا بأني عرفت المنزل ، وسأعود لهم عند ( الفرصة ) والله المستعان ، ولكن …………….

ولكن فقدنا بعضنا البعض مرة أخرى ، لهذه الاسباب التي ذكرت ، ولم يتم لنا التواصل أو اللقاء مرة أخرى من عشر سنوات مضت الى الآن ، ورجعت القصة كما كانت ، وبالتأكيد قد تجد هذه المرأة تبحث من جديد ، فأقدم لهم اعتذاري لهذه الأسباب ، وندمت ندماً شديداً وما زلت في حيرة من أمري لِما حدث ، بغير قصد ، ولا أريد منهم شيئاً غير الاطمئنان عليهم ، وتحقيق أمنيتهم باللقاء والتواصل لمعرفتي برغبتهم وحسرتهم على ذلك الموقف فقط ، ولعل الله أن يجمعنا على خير .

وقدّر الله أن أروي لكم هذه القصة الواقعية بهذا المجلس المبارك لما فيه من مفاجئات وحب رد الجميل ، وتلك أقدار الله ، واستودعناهم الله ، والله الحافظ لنا ولهم وللجميع ، والله يحفظ بلدنا وأمننا واستقرارنا وحكومتنا الرشيدة وعلمائنا ومشائخنا والشعب كله ، ويحفظ جنودنا حماة العقيدة والوطن المرابطين على كل الثغور والله يديم النعمة على جميع المسلمين .

هكذا أسعدنا (أبا عبدالله ) وتم روايته لنا بهذه القصة و يشهد الله بأني أكتبها وقد اجهشت بكاء من الموقف وأنا أكتبها ، في وقت رفض ( أبو عبدالله ) أن تُنشر ، لرغبة أن لا يكون في عمله رياء أو منّْة ، حتى أفهمته بأنها قصة واقعية ورواية تستحق النشر ، وأخذ العِبرة منها ، ولعل ولربما أن تقع هذه الرواية بيد هذه المرأة وأولادها ،مرة ثانية ، فنحقق لهم ، التواصل والوفاء ، فوافق على ذلك والله يجزيه خير الجزاء على ما فعل ، والله على كل شيء قدير

شاهد أيضاً

صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز الشخصية القيادية العربية الأكثر تأثيرًا لعام 2025″.

عبدالله سعيد الغامدي. يحق لنا وللوطن أن يفاخر بكم وبهذا التتويج لسمو ولي العهد السعودي، …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com