
بقلم: علي عسيري
في خضم التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030، تبرز القيادة الصحية كأحد الأعمدة المحورية في تحقيق الأثر الحقيقي للرؤية. ولم تعد الإدارة الصحية اليوم مجرّد تسيير للمرافق أو متابعة للجودة؛ بل أصبحت علمًا إستراتيجيًا يتقاطع مع التنمية الوطنية، والإقتصاد، والحوكمة، وإستثمار الإنسان.
القيادة في عصر الرؤية: فكر، وجرأة، وتحول
رؤية المملكة 2030 أعادت تعريف مفهوم القيادة، وخصوصًا في القطاع الصحي، حيث لم تعد القيادة مقتصرة على من يشغل منصبًا، بل أصبحت مرتبطة بمن يملك:
• القدرة على اتخاذ القرار ضمن بيئة متغيرة ومعقدة
• المرونة في التكيف مع التحول الرقمي والرعاية التخصصية المتقدمة
• الوعي الوطني الذي يربط العمل المهني بأثره المجتمعي
وهذا يعكس نموذج القائد الصحي الجديد: قائد يفكر برؤية وطن، وينفذ برؤية مريض، ويتحرك بروح فريق.
من إدارة المستشفى إلى قيادة النظام
أحد التحولات المفصلية التي تشهدها القيادة الصحية في المملكة، هو الانتقال من “إدارة المنشآت” إلى “قيادة النظام الصحي”. وهذا يتطلب نوعًا جديدًا من الكفاءات، مثل:
• التفكير الاستراتيجي متعدد الأبعاد
• فهم الاقتصاد الصحي، والاستدامة، وسلاسل الإمداد
• القدرة على تمثيل المنشأة أمام المجتمع، والجهات الحكومية، والمستثمرين
هذه المهارات لم تعد ترفًا، بل أصبحت ضرورة لمن يريد أن يكون شريكًا حقيقيًا في تحقيق الرؤية.
التمكين البشري هو اللبنة الأساسية
من غير الممكن الحديث عن القيادة دون الحديث عن التمكين. فقد ركزت رؤية 2030 على تطوير رأس المال البشري، والقطاع الصحي اليوم يشهد:
• توسعًا غير مسبوق في برامج الزمالة والابتعاث
• تمكين الكفاءات التمريضية والطبية والإدارية لقيادة مراكز القرار
• دعم القيادات الشابة، خصوصًا من أبناء وبنات الوطن، ليتولوا المسؤولية بثقة وشراكة فاعلة
ومن موقعنا في قيادة زمالة تمريض الأورام والتغيرات التي تحدث من زيادة حالات السرطان في السعودية ، نلمس هذا التحول يوميًا، ونعي أن القيادة لم تعد وظيفة… بل رسالة ومسؤولية وطنية.
القيادة الصحية… ما بعد المستشفى
في المرحلة المقبلة، القيادة الصحية ستتجاوز أسوار المستشفى، لتدخل:
• صناعة السياسات الصحية الوقائية
• تصميم نماذج الأعمال المستدامة
• قيادة المشاريع الرقمية والتحليل الذكي للبيانات الصحية
• التفاعل المباشر مع احتياجات المجتمع
هذه ليست أحلامًا، بل أهداف عملية قابلة للتحقق… متى ما توافرت القيادة التي تمتلك البوصلة الوطنية، والقدرة على التنفيذ.
ختاماً ،نحن أمام فرصة تاريخية
نحن لا نعيش فقط في مرحلة تطوير… بل في مرحلة صناعة التاريخ الصحي للمملكة.
والمطلوب من القيادات الصحية اليوم ليس فقط مواكبة الرؤية، بل المشاركة الفعلية في رسمها، كلٌ من موقعه.
وعلينا أن نُدرك أن القيادة لم تعد لقبًا، بل أمانة وطنية… تتطلب أن نكون على قدرها فكرًا، وسلوكًا، وتأثيرًا.
⸻
ماذا على القادة في القطاع الصحي أن يفعلوا لتغيير المشهد؟
على القادة في القطاع الصحي اليوم أن يدركوا أنهم لم يعودوا مجرد مديري مؤسسات… بل هم شركاء في صياغة مستقبل وطن.
وفي ظل رؤية السعودية 2030، لم تعد الأعذار مقبولة، ولا الخطط التقليدية مجدية.
المطلوب اليوم:
• أن يتحول القائد من موظف سلطة… إلى صانع أثر.
• أن يكفّ عن إدارة الازدحام… ويبدأ في بناء المنظومات.
• أن يفكر كـ مهندس تحول، لا كمشرف على المهام.
المشهد يتغير… والقيادة يجب أن تتغير معه.
على القائد أن يتقن لغة المستقبل:
• يفهم التحول الرقمي لا كخيار، بل كأداة بقاء.
• يبني فريقًا ليس فقط بالكفاءة، بل بالتمكين.
• يرى في المواطن “شريك خدمة”، لا “متلقي علاج”.
القادة الحقيقيون لا ينتظرون الدعم… هم يصنعونه.
• يبادرون بالمشاريع قبل أن تُطلب.
• يوظفون الموارد بذكاء قبل أن تنضب.
• يقودون التغيير حتى في وجه الصمت، والمقاومة، والبيروقراطية.
وفي ظل الرؤية… لم يعد الوقت ملكنا.
المملكة تتقدم بخطى متسارعة، ومن يتباطأ اليوم، قد لا يجد له مكانًا غدًا.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية