
بقلم الكاتب ✍️لاحق بن عبدالله: الشبارقة
في أعماق الجنوب، عند حافة الشمس حين تميل للغروب، تقع قريتي [ الشبارقة]الصغيرة في المساحة، الكبيرة في تاريخها.قرية وادعة،
احتضنت بين جبالها وشِعابها رجالاً كانوا
أعمدة الصبر، وسقوف المجد وجدران الكفاح كما هم كذلك كافة رجالات ورموز عسير .
في الشبارقة،لم تكن الحياة أبداً سهلةً بل كانت درساً يوميًا في المعاناة والتحمّل.الماء يُجلب من الآبار، والخبز والغذاء يُصنع من تعب السنين، بالزراعة والفلاحة التقليدية.
والرعي بالمواشي ،وتربية النحل .
البيوت الحجرية المتجاورة، كانت مأوى وملجأً وكانت الألفة تسكن جدرانها كما يسكن الضوء النوافذ.
ومع ذلك، كانت القلوب مطمئنة والوجوه مشبعة بالرضا والبيوت مفتوحة للجميع لا تُغلق أبوابها إلا على دعاءٍ ولا تُفّتَحُ إلا على الترحيب •
لكن سرّ الشبارقة لم يكن في بيوتها ولا في طرقها الترابية ومزارعها وهوائها بل في رجالها الراحلون.
أولئك الذين بنوا بأيديهم ما لم تبنه الماديات.
رجالٌ غرسوا في الأرض معنى الرجولة وفي الأجيال دَرْسِ العزيمة والهمةوالطموح والصبر.
أصحاب الملامح الهادئة، والعقول الراجحة أهل حكمة، وأصحاب نظرة ثاقبة بعيدة ، الذين صبروا على قسوة الأيام كجبلٍ لا يهتز.
أصحاب أيادٍ زرعت، ونفوسٍ أعطت وما بخلت
كانوا مناراتٍ للكرم والجود،والبذل والعطاء
حملوا حبّ الوطن في صدورهم وورثوه لنا بكل أمانة وحُبٍ وولاءٍ صادق
رجالٌ لا يُذْكَرُون إلا مقرونين بالعمل والمروءة والسعي للخير والمعروف والواجب أينما وُجد، الحاضرون دومًا في المواقف الصعبة، الذين ختموا مسيرتهم بعزٍّ لا ينساه المكان ولا الإنسان.
هؤلاء…لم يُشيَّد لهم تمثالاً
ولم تكتب عنهم الصحف
لكنهم خُلِدُوا في ذاكرة الأرض وفي قلوب من عرفهم، وعاش معهم.
اليوم، وحين يأخذني الحنين والشوق إلى الشبارقة عندما أبتعد عنها ولو لبعض الوقت فأنا لا أشتاق فقط إلى بيوت الحجر والحصون ومرابع الذكريات ومهد الطفولة ، بل أشتاق الى أولئك الراحلين الى تلك الملامح إلى وجوههم،إلى ضحكاتهم ، إلى خطواتهم التي كانت توقظ الحياة مع الفجر،وتصنع من اليوم قصة حياة وحكاية ملهمة لاتُنسى.
إن اسم الشبارقة كُتب على يد رجالٍ
لا يشبهون أحدًا…رحلوا عنا…
لكنهم لم يغيبوا عنا.
تركوا لنا الأرض وتركوا لنا الاسم، والمجد، والسيرة الطيبة.
نذكرهم بكل فخر ونسير على دربهم مواصلين مسيرة البناء والتقدم والإزهار بعزم الرجال الاوفياء المخلصين في هذا الوطن الشامخ العظيم
ولعل هذه الكلمات تجيبُ عن سؤالٍ لطالما سَكَن في قلوب المحبين عن هذه القرية التي أنتمي لها وعن روحي التي لا تزال تسكن بين أهلها.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية