
بقلم الكاتب / لاحق بن عبدالله: الشبارقة
حينما انتهى الأبناء من إعادة ترميم منزلنا القديم، بعد رحيل والدي وعمي ووالدتي يرحمهم الله ، قاموا بدعوتي لزيارته ذات مساء ، وقالوا: ستستمتع بجلسة مختلفة، وتستعيد ذكريات الماضي” لم يكونوا يعلمون أن الدعوة بالنسبة لي ليست مجرد زيارة بيت أعيد ترميمه، بل عودة إلى زمن آخر.
وصلت إلى المنزل، فإذا بالأجواء مهيأة بالمأكولات الشعبية ، والمشروبات الدافئة، والنار تتوهج في مكانها المعتاد.
بدا المشهد وكأنه نسخة من أيام مضت. ابتسموا جميعًا في وجهي، متوقعين أن أغمرهم بالفرح ، لكن داخلي كان يموج ببحر من الذكريات والمشاَهِد ، منذ أن وضعت قدمي على عتبة الدار شعرت أنني أطرق باب الزمن.
رأيتُ والدي الرجل البسيط الصبور الحكيم يجلس في مكانه وفي زاويته المعتادة لنا ، يبتسم بوقار ويحدثنا بحكمة وروي لنا خبرة السنين .
رأيت والدتي تجول في أرجاء البيت بوجهها المضيء بالرضا، ورأيت عمي وإخوتي كما كانوا: ضحكات بريئة، خطوات متواضعة، وحياة تنبض بالبساطة.
كل زاوية في البيت كانت حكاية.
كل حجر كان ذاكرة .
لم يكن الفقر آنذاك عيبًا، بل كان ممرًا للرضا.
كنا نعيش بأقل التكاليف وأبسطها، لكننا كنا نملك كنوزًا من الطمأنينة والمحبة والالفة
جلستُ بينهم صامتًا،أشاركهم الطعام والشراب،لكنني في الحقيقة كنت أعيش في عالم آخر.
شعرت أنني ضيف في بيت يملكه الماضي، وأن كل ما حولي يهمس ويقول : هنا كبرتم… هنا أحببتم…هنا كنتم ، وهنا تعلمتم كيف يكون الصبر مدرسةً والحياة كتابًا.
كل زاوية في المنزل كانت تذكرني بشئ غادرت المنزل بعد أن انتهى السمر، لكن قلبي ظل عالقًا هناك.
أدركت أن البيوت القديمة لا تُرمم بالحجارة فقط، بل تُبعث من جديد بذكريات من سكنوها، وأن أجمل ما يتركه لنا الراحلون ، هو قيمهم التي تظل نابضة في جدران قلوبنا.
غادرت المكان جسدًا، لكنني تركت قلبي هناك.
لقد استوعبت من زيارتي تلك أن البيوت القديمة ليست حجارة تُرمم،بل أرواح تعود لتسكننا كلما استدعيناها.
وأن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، بل بالدمع والحنين .
يا دار! جئتك والأحباب قد رحلوا فلا جليس و لا صوت و لا مقلُ أمشي وأسألُ والجدران تسمعني وهل يجيبُ إذا ناديتـهُ الطلل؟
يا راحلين وفـي عيني منزلکم لا لن تغيبوا إلى أن يحضر الأجل مواسم السعد جفت بعد غيبتهم فهل تعيـش قلوب هدَّها الوجلُ؟
يا من رحلتم ولم ترحل مودتكم ما زال يسكن فـي أعماقنا الأملُ .
عسير صحيفة عسير الإلكترونية
أستاذ. تتفاوت مشاعر الناس كل حسب حنينه و وفاءه للأحبة الذين رحلوا عنا؛ ولكن أثر الوالدين لا تمحوه السنين عند الإبن البار، و الدعاء لهما وذكرهما بأجمل الصفات بعد موتهما عبادة.
والشاعر المبدع يقول :
لا هُم يَلوحُون .. لا أصواتُهُم تَصِلُ
لا الدار، لا الجار، لا السُّمّار، لا الأهَلُ
وأنتَ تَنأى، وَتَبكي حولَكَ السُّبُلُ
ضاقَتْ عليكَ فِجاجُ الأرض ِيا رَجُلُ!
(عبد الرزاق عبد الواحد)