رمضان في عسير… حين يحرس المكان ذاكرته

بقلم / عبدالمحسن محمد عسيري

في منطقة عسير، لا يأتي رمضان كضيفٍ عابر، بل كقيمةٍ متجذّرة في الحجر والإنسان. هنا، حيث تتعانق الجبال مع الغيم، يتبدّل إيقاع الحياة، ويصبح للمساء معنى مختلف. لأن القلوب تعود إلى أماكنها الأولى؛ إلى المجلس، إلى المائدة، إلى العلاقة الصافية التي لا يشوبها استعجال.

 

الليل الذي كان يعرف أسماءنا

في قرى عسير، كان الليل أبطأ… وأكثر حميمية. الأزقة الحجرية تحفظ خطوات الصغار، وروائح الخبز والقهوة تسبق الأذان بدقائق كأنها تمهيد روحي لسكينةٍ قادمة. لم يكن الإفطار مجرد اجتماع حول طعام، بل اجتماع حول معنى.

الأب يضبط إيقاع اللحظة، والأم تصنع دفء المكان، والجيران يدخلون بلا تكلف، لأن المسافة بين البيوت كانت أقصر من المسافة بين القلوب.

 

المجلس… مؤسسة اجتماعية غير مكتوبة

لم يكن المجلس مساحة للحديث فقط، بل مدرسة للقيم. يتعلّم الصغير كيف ينصت قبل أن يتكلم، وكيف يقدّم قبل أن يطلب. في رمضان، كانت المجالس تصوغ وعياً اجتماعياً متماسكاً؛ الاحترام قاعدة، والتكافل سلوك يومي، والوجوه مألوفة لا تحتاج إلى تعريف.

اليوم، تغيّرت الأدوات، وتغيّر الإيقاع. المجالس ما زالت قائمة، لكن الصمت لم يعد دائماً صمت إنصات، بل صمت انشغال بالشاشات. لسنا أمام إدانة للزمن الجديد، بل أمام سؤال صريح: كيف نحافظ على روح رمضان في عسير، دون أن نصطدم بتطوّر الحياة؟

 

بين الوفرة والدفء

رمضان الأمس كان أقل وفرة في التفاصيل، وأكثر غنى في المعنى.

رمضان اليوم أكثر اتساعاً في الإمكانات، لكنه يحتاج إلى استعادة دفئه الاجتماعي.

 

ليست القضية في عدد الأطباق، ولا في تنوّع الزينة، بل في شعور الانتماء. في ذلك الإحساس بأنك جزء من نسيج يعرف غيابك قبل حضورك. هوية رمضان في عسير لا تُشترى، ولا تُستورد، بل تُمارَس يومياً: في صلة رحمٍ صادقة، في زيارة جار، في مجلسٍ يعود إلى دوره التربوي، وفي مبادرة تكافل تحفظ كرامة المحتاج دون ضجيج.

 

مسؤولية الجيل

إن الحفاظ على ذاكرة المكان لا يعني التوقف عندها، بل البناء عليها. أن نُبقي على روح المجالس، ونستثمر التقنيات لا أن نستسلم لها. أن يكون رمضان فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، لا مجرد موسم عابر في التقويم.

في أبها، كما في سائر مدن عسير، يبقى رمضان مرآةً لوعينا الجمعي. فإذا حافظنا على دفء العلاقات، بقي المكان حيّاً فينا، لا مجرد صورة محفوظة في الأرشيف.

رمضان في عسير ليس ذكرى تُستعاد… بل هوية تُصان

شاهد أيضاً

((الإعلام السعودي العاقل المتعقل ))

بقلم/ حسن سلطان المازني لله در سياسة إعلامنا السعودي العاقل والمتعقل الذي لم ينجرف للسقوط …

تعليق واحد

  1. أ. لا يُرتجى الماء من بئر معطّلــة..
    أو يُجتنى ثمرٌ من عاقر الشجرِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com