الصمت لائق.. لمسؤول سابق

دخل معالي الوزير «السابق»مأْتَم العزاء، وقدم تعازيه لأهل الميت، ثم انتحى جانباً وهو منقبض الملامح على إثر ذلك الاستقبال العادي من قِبل الحاضرين، وممتعض لأن أغلبية المعزين لم يميزوه!

وهذا حال مجتمعنا، فاللاحق يزيح السابق، في سباق المصالح الساحق، والمنطلق في أنفاق نفاق التماحق!

نظراته كانت مستنكرة، فلم يسأله الجلوس عن فترته السابقة، ولم يمتدحوا بصماته فيها، حتى برز (ملقوف)، وسأله عن تقييمه للوزير الحالي، وعن كيفية تناوله للوزارة، فما كان من معاليه، إلا أن ابتسم ابتسامة خشينا أن تجرح زاوية فمه، بعد أن شعر بأن أضواء المأتم تتجه نحوه، وتحدث بعد «نحنحة» وكأنه يستعيد صور الماضي، وامتطى ظهر دعابة ليقارن بين أعماله (الرائعة)، السابقة، وبين ما هو موجود حالياً من (عبث)!

وأخذت نفسيته في التصاعد، حين استرسل في حديثه عن أفعال ومغامرات وبطولات لم نسمع عنها، متخيلاً وهج وبريق لمعة عدسات الأمس وصدى ميكرفوناته، ومتناسياً روح المَيْت، بعد أن أَحْيَا بيننا تاريخهُ المَيْت.

لقد بشّر بكتابٍ سيطرحه قريباً في الأسواق، هو كاتبهُ، ومُخرجهُ، ومُصمم غلافه، كتاب سيشرح فيه تجربته في الوزارة، وما حققه، وما سرقه اللاحقون من بريق نجاحاته.

ومثل تلك الكتب «الظاهرة» توجد بالأطنان في مكتباتنا، وليست حكراً على الوزراء، ولكنها تصل إلى من لم يكن أبداً، ممن يريد أن يعيد كتابة التاريخ وفق منظوره الخاص.

أكوام كتب من الزيف، وبالونات مخزنة تنفجر بمجرد محاولة لمسها، ولا أحد يحمينا مما تزخر به من رماد، ولا يوجد نظام يمنع النشر، ما دامت لا تتجاوز الخطوط الحمراء، كتبٌ قلة من يقرؤونها، رغم أنها تُهدى بنسخ فاخرة، وأغلفة مذهبة، يقلبها الناس بين أيديهم عجباً، ثم يطعمونها خلسة لساكني مستعمرات «العثة».

الوزير، أو المسؤول يُعطى فترة كافية ليعمل ويُنتج، ولكنه يتوه أثناءها، ويختار أن يسكن بقعة الضوء، والفلاشات، ويستجرُ الكلمات المُجمدة، والتي تتشابه بل تتطابق، في مُقدماتها ونهاياتها، وبما يذرُ في المنتصفِ من كلامٍ غث «أي كلام يا عبدالسلام».

خُطب تدور حبكاتها حول كيل المديح لكبار رجالات الدولة، حتى ولو لم يكن لهم أي علاقة مباشرة بما يقوله.

يا معالي السابق، لقد كان لديك سنوات عديدة، لتنتج، ولتجعلنا نتذكرك بأعمالك، فلا تعتقد أن كتاباً تنشره سيغير من الحقائق، فالشعوب واعية، والتاريخ يعرفُ من يخلد، ومن ينسى، ووزير فذ كالمرحوم «غازي القصيبي» كان حكاية متحركة، وشعلة من النجاحات يُخلص في أعماله، ثم ينام قرير العين، بينما «يَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ».

فلم يكن بحاجة لأن يضبط قناعاتنا، بما لم يحصُل، ولم يكن يحاول تزوير الواقع.

يا معالي الوزير، رحم الله المَيْت، الذي أنسيتنا جنازته الحاضرة، وترحم معنا على أمواتنا جميعاً، وليعلم كل سابق أن الصمت بعد الرحيل صنيع.. لائق.>

شاهد أيضاً

تعليم سراة عبيدة يحتفي باليوم العالمي للدفاع المدني

صحيفة عسير _ يحيى مشافي شاركت إدارة تعليم سراة عبيدة مُمثلة بإدارة الأمن والسلامة المدرسية …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com