
بقلم / شهد القحطاني
تتربع محافظة الحرجة في الجزء الجنوبي الشرقي من منطقة عسير، جنوب غرب المملكة العربية السعودية، وسط نطاق جبلي مرتفع يصل متوسطه إلى نحو 2300 متر فوق سطح البحر. هذا الموقع منحها مناخاً معتدل نسبياً، خاصة في فصل الصيف، لتصبح واحدة من البيئات الجبلية الجاذبة للزوار والمصطافين.
وترتبط المحافظة بالطريق الدولي القادم من شمال عسير، مروراً بخميس مشيط وأحد رفيدة وسراة عبيدة، ثم يمتد نحو ظهران الجنوب ومنطقة نجران، وهو ما أكسبها موقع حيوي في شبكة النقل والحركة بين شمال وجنوب المملكة.
ويبلغ عدد سكان محافظة الحرجة قرابة 18,503 نسمة وفق إحصاءات عام 2024، ويتوزعون بين مختلف الفئات العمرية، ويقيمون في المحافظة ومراكزها التابعة وقراها المنتشرة. وتشمل هذه المراكز : الفيض، والغول، والنعضاء، والرفغة، والتي تضم بدورها عدداً من القرى والهجر التي تشكل الامتداد العمراني للمحافظة.
وتنتمي الحرجة إلى البيئة الجبلية ضمن سلسلة جبال السروات، حيث تتنوع تضاريسها وتزدهر مناظرها الطبيعية، ما أضفى عليها طابعاً بيئياً مميزاً . ويسودها طقس لطيف نسبياً خلال الصيف مقارنة بمناطق أخرى من المملكة، ما يتيح فرصاً للسياحة الجبلية وإقامة الأنشطة والفعاليات الخارجية.
ويبرز جبل فرواع كأحد أهم المعالم الطبيعية في المحافظة، إذ يُعد من أعلى القمم الجبلية في المملكة العربية السعودية، بارتفاع يتراوح بين 3,004 و3,009 أمتار فوق سطح البحر، ضمن منافسة مباشرة مع جبل السودة على لقب أعلى قمة. ويقع الجبل غرب محافظة الحرجة، على بُعد يقارب 115 كيلومترًا جنوب مدينة أبها، مشكلاً علامة جغرافية وتاريخية بارزة في جبال السروات.
وعلى الصعيد التاريخي، تُعد الحرجة من الحواضر القديمة في المنطقة، حيث كان سوقها القديم محطة رئيسية على درب التجارة المعروف برحلة الشتاء والصيف. وقد شكل هذا السوق مركز اقتصادي مهم ، انعكس في كثرة المحلات التجارية وتنوع البضائع المعروضة آنذاك، من أبرزها البن الحرجي الذي اشتهرت به المنطقة وتم تصديره إلى مختلف مناطق الجزيرة العربية، إلى جانب القهوة والقشر والقمح والتمر والزبيب، إضافة إلى الأسلحة البيضاء المستخدمة في تلك الفترة.
ولا تزال المعالم الأثرية في الحرجة شاهدة على عمقها التاريخي، حيث تحتضن عدد من البيوت القديمة المبنية بالمواد المحلية الخام وفق الطراز المعماري التقليدي، وقد أُعيد ترميم بعضها حفاظاً على قيمتها التراثية. كما يوجد مسجد أثري يعود تاريخ بنائه إلى عام 29هـ، لم يتبقَّ منه سوى بعض الجدران، إلا أنه يمثل شاهداً مهماً على قِدم الاستيطان الإسلامي في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تشهد المحافظة تطورا عمراني حديث، يتمثل في أحد أكبر الجوامع في المنطقة الجنوبية، والذي يتسع لأكثر من 5,000 مصلٍ، إضافة إلى مشهد للعيد يتسع لما يقارب 1,000 مصلٍ، في صورة تعكس التوازن بين الأصالة التاريخية والتوسع العمراني المعاصر.
وفي إطار الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز التنمية، تحتضن الحرجة قرية تراثية تهدف إلى إبراز الثقافة المحلية وإحياء التراث الشعبي، وتضم سوق تراثي ومعارض للحرف اليدوية والمنتجات المحلية. كما شهدت المحافظة زيارات لمسؤولين من إمارة منطقة عسير للاطلاع على المشروعات التنموية والخدمات المقدمة للأهالي.
ورغم ما تمتلكه المحافظة من مقومات طبيعية وتاريخية، إلا أن بعض القرى والهجر التابعة لها لا تزال تواجه تحديات في الخدمات الأساسية، من أبرزها الاعتماد على آبار النظام لتوفير المياه، والحاجة إلى تحسين الطرق ورصفها، خاصة في المناطق البعيدة، الأمر الذي يتطلب استمرار العمل على تطوير البنية التحتية وتحسين جودة الحياة للسكان.
وبفضل موقعها على الطريق الدولي الرابط بين شمال وجنوب المملكة، تبرز محافظة الحرجة كنقطة عبور استراتيجية بين منطقة عسير ومنطقة نجران، ما يعزز دورها في الحركة التجارية والنقل.
وتبقى محافظة الحرجة نموذجاً لمحافظة جنوبية جمعت بين الجغرافيا الوعرة والتاريخ العريق، لتظل قممها الشاهقة وأسواقها القديمة شواهد حيّة على دورٍ تاريخي ما زالت ملامحه حاضرة حتى اليوم في التجارة والدين والعمران، ولا تزال معالمها تحكي قصة إرثٍ متجدد يتناقل بين الأجيال .

عسير صحيفة عسير الإلكترونية