فيليكس .. والثقافة

وصلت رسالة إلى هاتفي ذكرت أن المغامر النمساوي فيليكس قد توفي بعد يومين من قفزته الأشهر في تاريخ البشرية متأثرًًا بتلف في الدماغ وغير ذلك .

تم تناقل الخبر بين أجهزتنا جريًا وراء عادتنا التي لن نتنازل عنها وهي عادة الجري خلف الشائعات والانشغال بها ، وإشغال الناس بها ، ثم إن الخبر قد تم تناقله بسرعة فائقة على طريق التشفي الخالي من كاميرات ساهر التي رصدت مدى تأخرنا وفرحنا بانتصاراتنا الزائفة ، وكأن فيليكس هو آخر رجل وهو آخر المحطات !!!

كم نحن مشغولون بغيرنا ؟!

متى سننشغل بأنفسنا الانشغال الإيجابي ؟!

متى سننشغل بوطننا ومجتمعنا ؟!

كلنا قد طالعنا ذلك الإنجاز البشري المدعوم بالعلم المتقدم .. وعرفنا أن ذلك المغامر ليس رجلا ساذجًا بل ألفيناه يحمل فِكرًا وعزمًا وتصميمًا استطاع من خلالها كسب كل ذلك الاهتمام والمتابعة !!

في مثل هذه المواقف تتجلى حكمة الإنسان النابعة من ثقافته التي تمكنه من أخذ الفائدة واستثمارها الاستثمار الأمثل في حياته وحياة من حوله .. ألم يعجب رسولنا عليه الصلاة والسلام بحلف الفضول في الجاهلية ، وقال فيه عليه الصلاة والسلام :” لقد شهدتُّ في دار عبدالله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت “.

والحكمة ضالة المؤمن … وليست تلك المقارنة الخاطئة التي راح يُجريها البعض بين قفزة فيليكس وبين حادثة الإسراء التي كلم الله فيها النبي محمدًا بلا واسطة ملك حين عُرج به إلى السماء .. فشتان بين النبي المصطفى وبين مغامر مارس هوايته في إطار من ثقافته المزروعة فيه والمحيطة به والداعمة لمثل هذه المخاطرات !!

فالمسألة مسألة ثقافة .. وقد كان تاريخنا زاخرًا بمن خدموا البشرية خدمات فاقت ما قدمه فيليكس بمئات المرات بعيدًا عن المغامرة والمخاطرة .. لكن المؤسف هو السخرية المبالغ فيها التي شاهدنا صورها ، وقرأنا أخبارها وكأننا قد صرنا نعيش في هامش الإنجازات ، وفراغ الطموحات .. كما أنه ليس من المعقول تلك المبالغة في المديح ، والنظر إلى تلك التجربة الشخصية بمنظار جعلنا نحتقر كل ما سواه .. فالنجاح ليس حِكرًا لأحد ..وكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له .. فمن يخدم دينه ، ووطنه ، وأبناء مجتمعه محافظًا على نفسه ، ومترقيًا بها في سلم الخيرية والصلاح فقد نجح بتوفيق الله له ، واستشعاره لدوره في الحياة بعيدًا عن المبالغة في الإعجاب ، أو التندر والاستهزاء .
>

شاهد أيضاً

اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين

شعر : علي محمد فهد المشعلي اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين شعارنا اللي فاق …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com