تُرى كيف تقرأونني؟

أتساءل في مرات عديدة ولا أجد الجواب، كيف تصلكم كلماتي؟ فهل يا تُرى ترونها على شكل مقال مستطيل منبسط، أو كلمات متقاطعة على شكل مربعات، وكيف تأتونها، أمن الجانب أو من الأعلى أو من الأسفل؟ أم أنها تأتيكم بشكل دائرة تختارون أنتم نقاط تماسها وأوتارها وأقواسها، التي تريدون العزف عليها، لتتناغموا مع ما أريد أن أصبه بعمق مركزها، وهل يتوه بعضكم ويستدير لمرات ومرات على محيطها ككوكب دري. بل ربما أن بعضكم يراها كالكرة المطاطة الطرية، ينططها كيفما شاء، قبل أن يقفز بها عالياً ليولجها في سلة أفكاره، مسجلاً هدفاً متقناً تتراقص له جماهير مشاعره؟

ولا أشك للحظة بأن بعضكم يراها ككتلة متوازية الأضلاع، يسهل عليه تخزينها، في أضيق الأماكن، فلا تشغل حيزاً من الفراغ، أو كأسطوانة يدسها فوق أختين من أخواتها في جوارير ذاكرته. أما من يراها كتلة مختلفة الأضلاع، والزوايا، فالأمر هنا يعتمد على مدى ليونتها، فإن كانت كالعجينة، فإنه لن يغلب وسيلة في إعادة عجنها، وخبزها في القالب الذي يريده، بالتسخين على تنور أفكاره، وفي أي وقت يشتهي، ولو كانت قاسية متحجرة كالصخر، فربما أنه سيحتاج لمطرقة وإزميل ومبرد، لقص بعض زوائدها، وتهذيبها، قبل إدخالها في إحدى خزائن فكره، والخوف أنها ربما تستحل مساحة أكبر مما تستحق، أو تجرح بعض جدران خلايا دماغه القرمزية.

والكارثة لو كان أحدكم يراها كلوح زجاجي شفاف، ينفذ منه الضوء، فيتعرض لبعض الحوادث المترتبة على ذلك، كأن يخبط رأسه في اللوح، وهو لا يستشعر وجوده مسبقاً.

وبعضكم ربما يراها شعاعاً متراقصاً، يطفئه كالشمعة قبل النوم، ويقربه لإنسان عينه، إن أراد زيادة توضيح، وربما يكون شعاع شمس فتاكاً، يحرق خلايا الشبكية عند استمرار النظر إليه لفترة طويلة، وربما تتطور الرؤية على ما هو أبعد فيراها أو لا يَرها، وكأنها أشعة الليزر، أو أشعة ما تحت الحمراء، وما فوق البنفسجية، فتفعل مفعولها، دون أن يشعر به، ودون أن يلاحظ حروقه الشديدة، في عمق ذاكرته، ومشاعره، وحسه.

وهنا ستحدث الأضرار، الخطيرة، ونتائجها لن تظهر إلا بعد حين من الزمان، فلا يعود للندم مكان، ويستحيل العودة بالعقل للخلف.

وآخر الاحتمالات، أن يكون القارئ العزيز يتعامل مع ما أكتب وكأنه ينظر لعالم افتراضي، لا وجود له ولا حقائق، ولا حدود ملموسة، فيظل من خلاله يختلق، ويهتدي، ويفقد كيفما اتفق، وبدون أي حدود، أو معايير عقلانية.

الكتابة علم وذوق وأدب وثقافة لا يعرف عُمق بحورها وفنونها إلا أصحاب الأقلام الواعية، الحذرة، التي لا تريد أن تفقد القراء بين السطور، ولا تريد سجنهم بين قضبان الغموض، ولا تقصد التعالي عليهم، ولا جرهم لما لا يفيد.

والقراءة أيضاً فن ووعي ومشاعر يحسنها كثيرون، ممن يتميزون بالدراية الكافية لانتقاء الحسن من المقروء، وتجميعه في سلال أعينهم، ونبذ القذى، ورميه إلى مزابل النسيان.

عالمنا الحالي ليس كعالم الأمس، العموم عرفوا فنون القراءة، وعرفوا كيف يجدفون وسط أمواج محيطات الحروف والكلمات والجمل، باحثين لمراكبهم الصغيرة عن مراسي صدق وأمان. وكثير منا تاهوا، وحملتهم الأمواج إلى لج البحور، وانطووا بقلوب أعاصير، ودوامات، يدورون في تياراتها، ومركزها يشفط كل معالم ثقافتهم، ويُظهر زيفها.

كم هو جميل أن أعرف ماذا أريد، وأن أنتقي مما ومن أين أقرأ، فلا ينتهي بي الطريق، في منتصفه، لا أنا وصلت لدنيا الثقافة، ولا رضيت بجهلي وصمتي، وكففت أذيتي عن الآخرين.

الثقافة أدب وأخلاق قبل أن تكون بجاحة وطول لسان، وإفحام وتكذيب وتخوين، وجرجرة للألسن لتزل وتسقُط.

الثقافة انتخاب طبيعي للصفوة، من الخلق، ممن يعرفون أن الله هو المُعلم الأعظم، وأن العلم ليس حكراً على شخص معين، وأن المجال مفتوح لكل فكر بأن يُدلي بدلوه، ولكل رؤية بأن تبدي مزاياها، قبل أن نقفز إلى عيوبها، والحياة سوق يوجد فيه كل نقيض، وليس من العدل أن نحكُم على الآخرين، من زوايانا الضيقة، دعونا ندعو للفكر السمح، ونسمح بالخروج عن المألوف، وبالبحث في الزوايا المغلقة، فلعلها تكون مفاتيح ثقافة العصر القادم، ولعلها تعطينا الشعور بأننا لسنا كاملين، وأن الأمم الأخرى ليست بالنقص الذي نصوره في ثقافتنا.

مجرد دعوة لتحصيل ومعرفة أكثر وضوحاً وسماحة، ورقياً.
>

شاهد أيضاً

اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين

شعر : علي محمد فهد المشعلي اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين شعارنا اللي فاق …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com