( نايف بن عبدالعزيز.. الإنسان الذي فقدناه )

صدمت كما غيري من المواطنين بوفاة ولي العهد الأمير (نايف بن عبدالعزيز) رحمه الله.. مع إيماننا المطلق بقضاء الله تعالى وقدره، وأن البقاء له وحده.. وأن الزوال مصير كل الأحياء على ظهر البسيطة. إلا أن مكانة الرجل وحكمته وبعد نظره وحزمه وعزمه كل ذلك جعل منه صمام أمن للبلاد ومصدر ثقة واطمئنان للأمة، وهو ما أهّله ليكون العضد الأيمن لأخيه خادم الحرمين الشريفين.. كل ذلك زاد المصيبة هولاً على النفوس.

بيد أن عقيدتنا السمحة تمسح الأحزان وترد العقول الشاردة إلى صوابها، وحقيقة أن الموت نهاية كل حي وأن مصير الجميع إلى الله سبحانه.. ولكنها آجال محسوبة ولا بد للكون من عمارة.. والحياة من استمرار. ثم إن أسرتنا الحاكمة جزء منا ونحن وإياها كيان واحد نتشارك في السراء والضراء ونتفاعل في الأفراح والأتراح.

هذه الأسرة الحاكمة التي يمتد تاريخها لأكثر من ثلاثة قرون تتوارث الأمجاد كابراَ عن كابر.. وإذا “مات منها سيد قام سيد”.. لا يوجد فيها فراغ ولا تعترف بالوجل والارتباك عند المصائب، ولكنها ـ ولله الحمد ـ تجتمع على الخير وتتشاور على البر والتقوى.. وتختار الأصلح من بينها، وهي ولله الحمد منجبة ومتكاثرة، وسينهض بمسؤولياته ويقوم بواجباته خير خلف لخير سلف بإذن الله عز وجل، وستظل أمور المجتمع هادئة ومطمئنة ويزداد الأمن والاستقرار رسوخاً وثباتا.

كان الأمير (نايف) فقيدنا الكبير رغم هيبته وضخامة مسؤولياته قريباً من الناس حفياً بهم متفقداً لأحوالهم.

شاهدته عن قرب قبل عدة سنوات ذات مساء رياضي بمنزل الصديق الأستاذ (فهد بن خالد السديري) على دعوة عشاء، جاءنا الفقيد يرافقه السائق فقط دون مواكب ولا هيلمان، وكانت أحاديثه عن الأدب والشعر والتاريخ، وكانت محصلته منها وفيرة ومنتخبة.. استمرت بعد انتقالنا معه إلى المائدة ولم نشعر بالوقت إلا بعد مرور ساعات من المتعة والفائدة.

لا أنسى للأمير (نايف) رحمه الله موقفه من إبراز هذه الصحيفة إلى النور عندما زار (منطقة عسير) لافتتاح مبنى الإمارة الجديد وكان وقتها (الرئيس الأعلى للإعلام) وأقام له الأهالي حفل تكريم. وعند انصرافه تلطف بقوله: “هل من لزوم”؟ فقلنا له: لنا صحيفة طال انتظارها.. فكان رده بالإيجاب وتبنى الرفع عنها فوراً للمقام السامي بطلب الموافقة على صدورها كصحيفة يومية.. وكان يتابعها مشجعاً وموجهاً حتى استقامت أمورها.

وأثبتت وجودها وزرناه أكثر من مرة في مكتبه، إحداها برئاسة الأمير (خالد الفيصل) ووجدنا منه الدعم المعنوي والتشجيع الصادق لصدور (الوطن) مميزة متفردة بين رصيفاتها الأكبر والأقدم.

خلال ما دار من نقاش وجدت أنه ملم ومتابع لكل ما يدور في الساحة، وأن ذلك لم يشغله عن قضايا الساعة والحراك الاجتماعي مما جعله رجل دولة بكل ما تعنيه الكلمة.

لا نملك الآن إلا الدعاء له بالغفران والدرجات العلى في جنات النعيم.. وأن يحسن عزاء الأسرة المالكة والشعب السعودي.. ويعوضهم خيراً فيما فقدوه من رجل بحجم الفقيد النبيل.. إنا الله وإنا إليه راجعون.
>

شاهد أيضاً

سكر الأجاويد في نهار رمضان

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com