علي مهدي: مسافر هدّه الإعياء والسفر

علي مهدي شاعر يلتحف أثواب الشعر. فيقطر نجيعه مداداً وغدائر من دفء وبوح . بينه وبين الأذن والسماع خصوبة تفيض كعطر الربوات وحدائق المساء. حين يبعث صوته المضرج بالشعر والحياة تشعر أن فمه تحول إلى بهو من أزهار. وأريج من عقيق . وأسفار تشف عن مواكب من شموس. وعروش من لؤلؤ. توقظه أفراح الأرض فيرسل صوته الرقراق العذب: لا تلمه إذا أحب الديار وأحب التراب والآثار. إن وجه الديار وجه جميل فاق في حسنه وجوه العذارى. يهدر صوته كساقيه تتمدد فوق وسادة من عشب وندى وتدب حروفه وكلماته كالحلم الرغيد في عين الديمة الماطرة. يشقيه ويعذبه جوع القطا. وصمت البلابل. وركض الدهور الغامضة حين تفتك بقرارة الروح. وتثخن الوجدان بسلاسل الكآبة وسأم الحزن المعتق: جفل القلب وزاغ البصر وتوارى سماء القمر. وطواني الليل في أعماقه ظلمة حالكة تعتكر. يا فؤاداً صوتت أحزانه إن صوت الحزن صوت منكر. يتعرى حزنه ويحاصره الوجع الكوني فيتسامى كطائر يستطيل ويرتفع كالضوء في باحة الصبح. يتدفق نشيجه عذباً مشعاً كأغاني الغربة والرحيل. عاب عليه بعضهم سلفيته الشعرية وانغماس تجربته في حوض الخليل الفراهيدي. ونسي هؤلاء أن قصيدته حين احتفظت بلمعانها وردائها ودلالتها الكامنة فيها. فقد رأبت الصدع المزعوم. والتشكيلات المتخمة بالزخارف وأحياناً بالمضمون الرخو والفج والمتورم. شعره خال من الإيحاءات المبذولة. والمتكآت الملتبسة. والتضمين المخاتل: أنا ما خلقت لكي أحوك قصائد من فرع ذات الدل والأستار أنا ما خلقت لكي أحوك مطارقاً في الحب والغزل الخليع العاري. لكن خلقت لكي أكون على المدى للخير والإيمان زنداً واريا. لم يعد بسهر علي مهدي كالمصباح ليرش بالورود نوافذ الصبايا. ويعلق شعره قلائد في أعناق الحسناوات كما كنا نعتقد. لقد انسلت من روحه كل طيور العشق. وحوريات الماء. وسكت وصمت وابتعد عن أعمدة الضوء. وصخب المنابر . وآثر الغياب كالجياد الرهيفه. لا نعرف ماذا أرهقه بعد 40 عاماً من الشدو والغناء. أصبح عابر مفازة وأخمد حمحمة صدره المترع بالشعر والتغريد:

مسافر هده الإعياء والسفر ونال منه الظما والجوع والسهر

لا يستريح ولا يهدا له قدم ولم يزل همه ماض ومستعرُ

تقصيه بادية يوماً وحاضرة يوماً ويوماً فلا بدو ولا حضر

من يصدق أن علي مهدي احتبس صوته ليخبو كنهر فقد طريقه ومجراه. شوهد وهو يخرج من مدينة الشعر يشهق كالينبوع. يهدهد حزنه الشجي. حاملاً رغباته المهيضة. منحدراً كأجنحة التعب. بعد أن أضناه التحليق الباسق كالخيل الظمأى. ترى من يبحث لي عن علي مهدي أو يدلني عليه؟>

شاهد أيضاً

سكر الأجاويد في نهار رمضان

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com