بين حق التظلم وإثارة الرأي العام: قنوات رسمية تحفظ الحقوق وتصون الاستقرار

بقلم/ محمد عمر المرحبي 

في السنوات الأخيرة، ومع اتساع دائرة استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل منصة X وTikTok وYouTube والواتساب، أخذ بعض الأفراد يلجأون إلى هذه القنوات لبث شكاواهم الخاصة أو العامة، متجاوزين القنوات الرسمية التي خصصتها الدولة لتلقي المظالم. وقد تطوّر الأمر أحياناً إلى توجيه النداءات المباشرة لولاة الأمر عبر مقاطع مصورة أو منشورات مكتوبة، وهو سلوك يظنه البعض وسيلة أسرع لتحقيق المطالب، بينما يحمل في طياته مخاطر وسلبيات جسيمة على الفرد والمجتمع.

 

خطورة نشر الشكاوى في العلن

 

إن عرض المظالم عبر هذه المنصات يفتح الباب واسعاً أمام تأجيج مشاعر الغضب، وإثارة الرأي العام بطرق غير منضبطة، خاصة إذا تضمنت تلك الشكاوى مبالغات أو عبارات تجريح أو اتهامات بلا بينة. كما أن تداولها في فضاء مفتوح يجعلها عرضة للتوظيف من قبل أصحاب الأجندات المشبوهة أو المغرضة الذين يقتاتون على تضخيم المشكلات، وبث الشكوك بين المواطن والدولة.

 

ومن أبرز السلبيات أن هذه السلوكيات تُضعف ثقة الناس في النظام العدلي والمؤسسات الرسمية، وتوهم البعض أن الوصول إلى الحق لا يتم إلا عبر ضوضاء الإعلام الرقمي، بينما الحقيقة أن الدولة وضعت أنظمة وقنوات معروفة تحفظ لكل مواطن ومقيم حقوقه المشروعة.

 

القنوات النظامية للتظلم

 

حكومة المملكة العربية السعودية، ومنذ تأسيسها، حرصت على ترسيخ العدالة عبر مؤسسات قضائية وإدارية راسخة. وقد شُرعت أنظمة واضحة لرفع الشكاوى والتظلمات، منها:

 

ديوان المظالم، وهو المرجع القضائي المختص بالنظر في القضايا الإدارية والتظلمات ضد الجهات الحكومية.

 

هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) التي تستقبل البلاغات حول التجاوزات والفساد.

 

منصات البلاغات الحكومية الإلكترونية مثل (منصة أبشر، بلاغ تجاري، كلنا أمن، وغيرها).

 

المحاكم الشرعية بما فيها المحاكم العامة والجزائية للأفراد الذين تعرضوا لضرر مباشر.

 

 

هذه القنوات الرسمية تضمن أن يتم التعامل مع الشكاوى بالطرق النظامية، بعيداً عن التشهير أو التهويل، بما يكفل تحقيق العدالة في إطار مؤسسي يحفظ كرامة الشاكي والمشكو في حقه.

 

العقوبات المترتبة على إثارة الرأي العام

 

المشرّع السعودي لم يغفل خطورة هذه التصرفات، فقد نصت أنظمة مكافحة الجرائم المعلوماتية ونظام الجرائم الإرهابية وتمويلها ونظام الإجراءات الجزائية على عقوبات صارمة ضد من يتعمد إثارة الفوضى أو التشهير أو التحريض. ومن أبرزها:

 

السجن مدة تصل إلى خمس سنوات، وغرامة مالية تصل إلى ثلاثة ملايين ريال، لكل من نشر محتوى يضر بالنظام العام أو يثير الرأي العام بوسائل تقنية.

 

العقوبات الخاصة بالتشهير أو الإساءة للغير، وتشمل الحبس أو الغرامة أو كليهما.

 

ملاحقة أصحاب الحسابات الوهمية أو المسيئة الذين يستغلون المنصات لتضليل الناس أو تأليب المجتمع.

 

 

وبذلك، فإن من يلجأ إلى نشر مظلمته عبر هذه الوسائل بغير وجه حق، ويثير الناس حول قضية شخصية أو خاصة، يعرّض نفسه للمساءلة القانونية، ويكون قد أضر بنفسه قبل أن ينفعها.

 

التوازن بين حق الشكوى وحفظ الاستقرار

 

الإسلام كفل حق التظلم، والأنظمة السعودية رسّخت هذا الحق في مؤسساتها الرسمية، غير أن الخلط بين الشكوى المشروعة والتشهير المضر هو ما يهدد تماسك المجتمع. والمواطن الواعي يدرك أن ولاة الأمر فتحوا الأبواب والوسائل كافة لإيصال صوته بطرق تحفظ له مكانته وحقوقه دون الحاجة إلى إثارة الفوضى أو اللجوء للعلنية غير المنضبطة.

 

خاتمة

 

إن حماية الوطن واستقراره مسؤولية الجميع، وواجب على كل فرد أن يسلك القنوات النظامية التي وضعتها الدولة لرفع شكاواه أو مطالبه. أما المنصات الرقمية، فهي وسيلة للتواصل والتوعية لا للتشهير والتأليب. ولذا فإن نشر المظالم عبرها ليس فقط خروجاً عن النظام، بل هو إضرار بسمعة الوطن، وإساءة لصورة المواطن الصالح.

 

إن الالتزام بالطرق الرسمية، والابتعاد عن التشهير والإثارة، هو ما يحفظ الحقوق ويعزز الثقة بين القيادة والشعب، ويصون استقرار المجتمع من كل عبث أو استغلال.

شاهد أيضاً

الانضباط الدراسي في شهر رمضان: بين التحدي الحقيقي وسوء الفهم

بقلم / ✍🏻د. جملاء بنت علي الغامدي  مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتسارع الجهود داخل …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com