
بقلم/ شهد القحطاني
لم يكن الشتاء يوماً فصل برد فقط، بل كان مادة ثرية للشعراء، يستخرجون من قسوته دفئاً إنسانياً عميقاً. ففي هدوئه وبطء إيقاعه، تتسع مساحة التأمل، وتقترب الكلمة من معناها الصادق. في برده القارس، وجدوا دفئهم ، وفي ليله الطويل، أشعلوا القصائد.
ارتبط الشتاء في الذاكرة الشعرية بالمطر، والليل، والنار، وكلها رموز تتجاوز الطقس إلى مشاعر الألفة والاحتواء. لذلك لم يمدح الشعراء الشتاء لبرودته، بل لما يمنحه من دفءٍ معنوي، يجمع القلوب ويوقظ الذكريات.
لأنه يجمع المتفرقين، ويقرب المسافات، ويمنح اللحظة قيمة مضاعفة. دفء القهوة في كفٍ مرتجفة، ودفء القصيدة حين تُقال همساً، ودفء الذكريات التي تعود مع المطر بلا استئذان.
في الشتاء، يصبح الصمت لغة، ويغدو التأمل عادة، وتتحول الوحدة إلى صديقة مؤقتة تُلهم ولا تؤذي. لذلك أحبّه الشعراء؛ لأنه يمنحهم وقتاً أطول مع أنفسهم، ومساحة أعمق للكتابة، ونبضاً أصدق للمشاعر.
ليس غريباً إذاً أن يكون الشتاء أكثر الفصول حضوراً في الشعر، فهو الفصل الذي يعلّمنا أن الدفء الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل يُخلق… ويُكتب.
في هذا الفصل، تصبح القصيدة ملاذاً، ويغدو الدفء فكرة تُكتب قبل أن تُشعر. ولهذا بقي الشتاء حاضراً في الشعر، لأنه يذكرنا بأن أقسى الفصول قد تكون الأكثر إنجاباً للكلمة.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية