الانضباط الدراسي في شهر رمضان: بين التحدي الحقيقي وسوء الفهم

بقلم / ✍🏻د. جملاء بنت علي الغامدي 

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتسارع الجهود داخل وزارة التعليم، وتُوجَّه المدارس إلى إعداد خطط خاصة لضبط الانضباط الدراسي، ويُعاد التأكيد على المتابعة والالتزام، وكأن الشهر الفضيل يُعامل كل عام بوصفه تحديًا استثنائيًا في مسيرة العام الدراسي. وفي المقابل، تتكرر أصوات مجتمعية، لا سيما من بعض أولياء الأمور، تعبّر عن قلقها من أثر الدراسة في رمضان على الطلاب، معتبرة أن الصيام وتغيّر نمط الحياة اليومية قد ينعكسان سلبًا على التركيز والانضباط.

 

غير أن القراءة التربوية المتأنية تشير إلى أن الإشكالية لا تكمن في شهر رمضان ذاته، بقدر ما تكمن في طريقة التعامل معه. فالانضباط الدراسي لا يرتبط بعدد ساعات اليوم الدراسي أو بطول الحصص، وإنما يرتكز على ثقافة الالتزام، ووضوح الأنظمة، واستقرار الرسائل التربوية الموجّهة للطلاب وأسرهم. وعندما يُقدَّم رمضان على أنه شهر استثناء، تتراجع معه تلقائيًا مستويات الجدية والانضباط.

 

ومن اللافت أن شهر رمضان، في جوهره، يمثل نموذجًا متقدمًا للانضباط الذاتي؛ ففيه يلتزم الفرد بمواعيد محددة، وينظم وقته بين العبادة والعمل، ويضبط سلوكه بدافع داخلي لا رقابة خارجية. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: كيف يتحول شهر يقوم على الانضباط إلى مبرر لضعفه داخل المدرسة؟

 

كما أن الطالب يظل محور العملية التعليمية، ودوره في ترسيخ الانضباط خلال شهر رمضان دور جوهري لا يمكن إغفاله. فالطالب القادر على إدارة وقته، وتنظيم نومه، والالتزام بالحضور والانصراف، يجسّد المعنى الحقيقي للانضباط بوصفه قيمة شخصية وسلوكًا مكتسبًا. وعندما يُمكَّن الطالب من فهم مسؤوليته التعليمية، تقل الحاجة إلى التشديد والرقابة، ويتحوّل الانضباط إلى قناعة ذاتية.

 

وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول جدوى التعامل مع الانضباط بوصفه حالة موسمية تستدعي خططًا طارئة في رمضان دون غيره من أشهر العام الدراسي. فثقافة الانضباط لا تُبنى بالتعاميم المؤقتة، بل تُرسَّخ عبر ممارسات ثابتة، وشراكة فاعلة بين المدرسة والأسرة، واتساق في التوقعات التربوية.

 

إن الأجدى هو إعادة النظر في إدارة الانضباط الدراسي في شهر رمضان، والتعامل معه كشهر دراسي طبيعي، مع مراعاة خصوصيته الصحية والتنظيمية دون تضخيم أو تهويل. فشهر رمضان، بما يحمله من قيم سامية، يمكن أن يكون فرصة تربوية لتعزيز الانضباط الذاتي، وترسيخ مفاهيم المسؤولية والالتزام، لا سببًا للتراخي أو التراجع.

 

إن الانضباط الدراسي الحقيقي لا يرتبط بزمن أو موسم، بل هو نتاج ثقافة تعليمية واعية، تؤمن بأن الطالب شريك في المسؤولية، وأن القيم التي يُعززها شهر رمضان قادرة على دعم العملية التعليمية، متى ما أُحسن توظيفها.

شاهد أيضاً

مهرجان الحنيذ 2..نسخة استثنائية بحضور دولي

بقلم/ د. سعيد عبيد  انطلق مهرجان الحنيذ 2 يوم أمس الخميس بحضور معالي أمين منطقة …

تعليق واحد

  1. تقرير جميل جدًا!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com