ليس بدكتور ، ولكنه يمنح الدكتوراة

الشيخ علي الخفيف، أحد الفقهاء المجددين، والعلماء المعروفين، تولى التدريس بجامعة القاهرة في الستينيات، وفي كلية الحقوق مكتبة كبيرة وعتيقة، مليئة بالكتب الشرعية والقانونية تحمل اسمه تقديرًا لجهوده، وتخليدًا لذكراه. الشيخ علي الخفيف لا يحمل شهادة الدكتوراة، ولكنه يحمل شهادة:{ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ }، تولى مرة مناقشة طالب ؛ وكان الطالب كلما يسأله أو يعترض عليه الشيخ الخفيف يقول : يا دكتور كذا وكذا ، ولكن يا دكتور، نعم يا دكتور، فلما أكثر الطالب من ذلك، قال له الشيخ علي الخفيف: يا بني أنا لست بدكتور، ولكنّي أمنح الدكتوراة.

نعم هناك كثير من حولنا – مثل الشيخ علي الخفيف – لا يحملون شهادة الدكتوراة ، ولكنهم أهل لأن يمنحوها لغيرهم ، بما أسبغ الله عليهم من العلم النافع ، والعمل الصالح ، وبما قدموه لدينهم ووطنهم من تضحيات عظيمة ، وخدمات جليلة ، فتجد لهم في مجتمعاتهم بصمات واضحة ، وعلامات ظاهرة ، إذا غابوا فقدوا ، وإذا حضروا نفعوا ، الإخلاص شعارهم ، والصدق دثارهم ، أنا أعرف بعضهم ، وأنت قارئي الكريم تعرف أكثرهم .

مدينة أبها من أمثالهم حملت ، وفي أرضها بنظائرهم حفلت ، ومن لا يعرف الشيخ الحافظ عبيد الله بن عطاء الأفغاني رحمة الله تعالى عليه ، أهل الله – بإذن الله – وخاصته، عاش بالقرآن ومع القرآن، فعلم أمة من الناس لا يحصون كثرة ، وكانت له مع صحيح مسلم إشراقات إيمانية، ووقفات نورانية، تدرج به العلم بالقرآن والتواضع مع الناس حتى رفعاه مكانًا عليًا ، كان عنوانه المسجد ، وكلامه العسجد ، ومن بركته أنك لن تقرأ القرآن عنده حتى تصلي لله ركعتين وتسجد .

ومنهم العالم الرباني الشيخ يحيى بن علي معافى رحمة الله تعالى عليه ، الذي كانت رؤيته تذكرك بالله ، قليل الكلام ، غزير العلم ، استعانت به كلية الشريعة وأصول الدين فدرّس بها فترة وجيزة ، فأدركته بها طالبًا ؛ فكان العالم الصادق ، والمربي الناصح ، والعبد الصالح .

ومنهم العالم الفاضل الشيخ أحمد بن حسن آل عبد الله مشرف التوعية الإسلامية بإدارة التربية والتعليم بأبها سابقًا ، صاحب الدروس العلمية ، والمحاضرات الدعوية ، تجلس بين يديه فينفعك سمته ولحظه قبل كلامه ولفظه . وغيرهم كثير .

إن لقب الدكتور فيهم وفي أمثالهم قليل ، وأعمالهم وآثارهم هي على ما أقول أكبر دليل ، هممهم عالية ، ومقاصدهم سامقة، وأهدافهم واضحة.

منهم تتعلم أن من أراد أن يخدم دينه وأمته ووطنه لا يُشترط فيه أن يكون من أصحاب الشهادات العالية ، والمناصب الرفيعة الراقية .

وعندهم تعرف أن هذه الشهادات العلمية في أي مجال وتخصص ليست دائمًا دليلاً على سعة علم حاملها ، ولا برهانًا على مكانة صاحبها ؛ فكثيرًا ما ترى صاحب هذه المؤهلات يجهل أساسيات وأبجديات العلم الذي يحمل فيه أعلى الدرجات العلمية .

ومعهم تعيش لذة الجلوس مع العلماء دون بهرجة الألقاب، وتكلف الألفاظ، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، ولا يندم حليسهم ، وهم خطباء الوفود أينما أقاموا ونزلوا ، ونور الجَمْع حيثما توجهوا وحلّوا ، وصدر المجلس مكان ما قعدوا وجلسوا .

واليوم ترى كثيرًا منا – من غير تعميم – يزبرج نفسه بالشهادات والدورات ، ويزبرق كلامه بفضول العلم والمتناقضات ، يحمل سيرته الذاتية ، ويقدمها بين يدي محاضراته العلمية ، حتى يعرف الناس جهوده وأعماله الفردية ، جعل الشهادة العلمية غاية ، ونسي أنها وسيلة لخدمة الدين والوطن بجدية .

وإن أكثر ما يؤلمك ، وأشد ما يحزنك أن غالب من يحملون الشهادات العليا ليس لهم دور إيجابي في مجتمعاتهم ، ولا يشعرون بقدر المسؤولية الملقاة على عواتقهم ؛ فتمر بالأمة أزمات فلا تسمعهم إلا همسًا ، وبالوطن مدلهمات فلا ترى منهم أحدًا ، لا يحاربون شرًا ، ولا يدعمون خيرًا .

وأخيرًا – قارئي الكريم – لا تكن مهووسًا بهذه الرتب الوظيفية، ولا مذهولاً بمن تراه تحلى بهذه الألقاب العلمية، فإنما العبرة بخُلُقِه، وعدم تكلفه في التعامل مع الله وخَلْقِه، وبما قدمه لدينه وأمته من عمل يرجو به الله واليوم الآخر .

( ولي بكم – إن شاء الله – عودة بعد رمضان )

dr-a-hassan1@hotmail.com

>

شاهد أيضاً

الجمعية الخيرية بمنطقة جازان تنهي تفويج 1000 معتمر ومعتمرة

صحيفة عسير – حنيف آل ثعيل :  انهت الجمعية الخيرية بجازان وجميع الجمعيات المشاركة في …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com