(ثقافات شتوية)

بقلم/خالد بن محمد الأنصاري

✒ يأتي الشتاء بعد فصل الخريف ؛ وهو من أروع الفصول السنوية ، فتكثر فيه الأمطار والثلوج فيفرح الناس بذلك ؛ ويقومون بالاستعداد له بأنواع الأطعمة والأشربة الشتوية ، وشراء الألبسة ووسائل التدفئة ، ويطول فيه الليل ويقصر النهار ، وهو ربيع المؤمنين وغنيمة العابدین وثقافة للمتعلمين :

جاء الشتاء بغيمه متحجبا
أهلا بسلطان الفصول ومرحبا

ويصف الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – فصل الشتاء ومذكراً بغنائمه وفضله في كتابه القيم «مفتاح دار السعادة» (2/52) بقوله : (ففي الشتاء تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض والجبال ، وتبرد الظواهر ويستكثف الهواء فيه ؛ فيحصل السحاب والمطر والثلج والبرد ؛ الذي به حياة الأرض وأهلها ، واشتداد أبدان الحيوان وقوتها ، وتزايد القوى الطبيعية ، واستخلاف ما حلله حرارة الصيف من الأبدان).

وإن من ثقافة هذا الشتاء ومغانمه أيضاً وفوائده – وهي بيت القصيد في هذا المقال – ما يلي:

▪️الحث على الصيام والقيام: فإن الصوم في نهار الشتاء لا مشقة فيه لبرودته وقصره ؛ وقد ثبت من حديث عامر بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال : «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة».
وكذلك القيام والمناجاة في جوف الليل فهي فرصة للعباد لطوله ؛ وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : «مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة ، يطول فيه الليل للقيام ، ويقصر فيه النهار للصيام».
وقال الحافظ ابن رجب – رحمه الله – في كتابه «لطائف المعارف» (ص 356 -357) : (قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف، ولهذا بكى معاذ – رضي الله عنه – عند موته وقال : إنما أبكي على ظمأ الهواجر ، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء عند حلق الذكر).

▪️إسباغ الوضوء:
فبقدر ما يكون البرد شاقاً في موسم الشتاء فإن الأجر يزداد ويتضاعف فإسباغ الوضوء في تلك الأجواء من أجل الأعمال ؛ لما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال : «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ، ويرفع به الدرجات؟» قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : «إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط).
قال الإمام القرطبي – رحمه الله – في كتابه «المفهم» (1/507) (أي: تکمیله وإيعابه مع شدة البرد وألم الجسم ونحوه).

جاؤوا إلى ربهم يرجون رحمتَهُ
رغم المكارِهِ والتجميدِ والبَرَدُ

▪️تذكر عذاب الآخرة:
فيتذكر الإنسان في شدة البرد القارس زمهریر جهنم: أي شدة برودتها – أعاذنا الله – منها وذلك لما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا ؛ فأذن لها بنفسين ، نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهریر».
قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله – في كتابه «اختيار الأولى» (ص 34) تعليقاً على هذا الحديث : (فإن شدة برد الدنيا يذكر زمهریر جهنم ؛ فملاحظة هذا الألم الموعود يهون الإحساس بألم برد الماء).

أعوذ بربي من لظى وعذابها
ومن حال من يهوي بها يتجلجل

ومن حال من في زمهریر معذب ومن كان في الأغلال فيها مكبـــــــــــــــــل

▪️فقه الشتاء:
إن من رحمة الله تعالى ولطفه وكرمه بعباده أن يسر لهم أمور دينهم ورفع الحرج عنهم في عباداتهم ومن ذلك ما يتعلق ببعض المسائل الفقهية في الشتاء والتي أذكر منها ما يلي:

أولاً: لبس الجوارب والخفاف لاتقاء البرد وجواز المسح عليها إذا لبسا على طهارة ، ومدة المسح للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.

ثانياً: إباحة التيمم إذا خاف الإنسان على نفسه من شدة البرد.

ثالثاً: الجمع بين الصلوات في وقت إحداهما عند المشقة في الشتاء کهطول الأمطار وشدة الريح ونزول البرد.

▪️الجهاد في الشتاء:
من أشد الحروب وأصعبها التي تقع في فصل الشتاء لما يصاحبها من شدة الخوف من الأمطار والرياح والوحل ، وقد غزا النبي ﷺ عدة غزوات في الشتاء مثل غزوة الأحزاب والخندق وخيبر ، ولا أدل على ذلك مما ثبت في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال : «خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم ، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:

اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

فقالوا مجيبين له:

نحن الذين بايعوا محمدا
على الجهاد ما بقينا أبدا».

وفي هذا الأثر في غزو النبي ﷺ في الشتاء عزاء لجنودنا البواسل المرابطين على ثغورنا بأن يستشعروا عظيم هذه المرابطة مع ما فيها من النصب والتعب.

‏▪️وصية أمير المؤمنين الشتوية:
فإذا حان دخول الشتاء فيجب على المسلم أن يأخذ حذره ويستعد له بما تعارف عليه الناس من ملبس ومشرب ، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه “لطائف المعارف” (ص٣٣٠) : ‏كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا حضر الشتاء كتب هذه الوصية : “إن الشتاء قد حضر وهو عدو فتأهبوا له أُهبته من الصوف والخفاف والجوارب ، واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا، فإن البرد عدو سريع دخوله ، بعيد خروجه”.
قال ابن رجب معلقاً : “وإنما كان يكتب عمر إلى أهل الشام لما فتحت في زمنه فكان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذى ببرد الشام، وذلك من تمام نصيحته وحسن نظره وشفقته وحياطته لرعيته رضي الله عنه”.
ولذلك يجب الحيطة عند دخول الشتاء وشدته قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في “مجموع الفتاوى” (١٦٠/١٦) : ” البرد الشديد يوجب الموت بخلاف الحر ، فقد مات خلق من البرد بخلاف الحر فإن الموت منه غير معتاد ، ولهذا قال بعض العرب : البرد بؤس والحر أذى”.

▪️القراءة والكتابة في الشتاء:
إن طول الليل في الشتاء غنيمة لطالب العلم لينهم في القراءة بسرد المطولات و قراءة كل ما هو مفيد وجديد ، وكذلك فرصة لمن يرغب في التأليف والكتابة:

ليت الشتاء يعود لي بنعیمه
إن الشتاء غنيمة الكتاب

▪️ما ألف عن الشتاء :
ومن الغنائم الشتوية ظهور عدد من الكتب المختصة التي تتحدث عن هذا الفصل خاصة ؛ وقد تتابع أهل الفضل من العلماء على التأليف عبر العصور والتصنيف عن موسم “الشتاء” وجمع ما ورد فيه من أحادیث وآثار وأحكام وأشعار وأخبار ومن أبرز أولئك الأعلام وأشهر مصنفاتهم مايلي :

– الإمام أبي عبد الله محمد بن خلف بن المرزبان المتوفي سنة (۳۰۹هـ) له كتاب بعنوان «الشتاء والصيف».

– الإمام يوسف بن عبد الهادي الحنبلي المتوفي سنة (909هـ) له كتاب بعنوان «إرشاد الفتى إلى أحاديث الشتا».

– الإمام عبد الرحمن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة (911هـ) له جزء بعنوان «أحاديث الشتاء).

– الشيخ أبي بكر بن محمد عارف خوقير المتوفي سنة (1349 هـ) له کتاب بعنوان «مسامرة الضيف بمفاخرة الشتاء والصيف».

– الشيخ علي بن حسن الحلبي له كتاب بعنوان «أحكام الشتاء في السنة المطهرة».

▪️مجلة الشتاء:
وقد وقفت مؤخراً على مجلة الشتاء» وهي مجلة أدبية علمية وتاريخية شهرية ، تظهر شتاء وتحجب صیفا ؛ لصاحبها ومحررها عنحوري بك ، وصدر الجزء الأول منها في يناير عام 1906 وقد طبعت بمطبعة الهلال بالفجالة بمصر.

▪️فاكهة الشتاء:
مما اعتاده الكثير من الناس في ليالي الشتاء الجلوس حول النار للتدفئة والسمر ؛ فحبذا لو استغلت هذه المجالس بما يفيد من ملح العلم و فرائده وفوائده:

النار فاكهة الشتاء فمن يرد
أكل الفواكه شاتياً فلیصطلِ

▪️أصالة الماضي في الشتاء:
يلجأ البعض من الناس في موسم الشتاء إلى المكوث في بيوت الشعر وتركيبها في المنازل العصرية أصالة للماضي وللوقاية من البرودة في الحاضر ؛ وللحفاظ على التراث العربي ، مما يعكس جمال هذه البيوت وحسن رونقها الأصيل:

والحسن يظهر في شيئين رونقه بيت من الشعر أو بيت من الشعر

▪️الفقر والشتاء:
ومن الغنائم الشتوية أيضاً مساعدة الفقراء والمحتاجين في هذا الموسم والعناية بكسوتهم وغذائهم ولحافهم وتفقد أحوالهم:

فالصيف أرأف بالفقير من الشتا
ولذا يحب قدومه الفقراء

جعلنا الله تعالی ممن يحسنون استقبال المواسم كلها بخير عمل يقربنا إليه ، ومن أهل قوله: ( لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا )
وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنه سميع مجيب.

شاهد أيضاً

زراعة الزيتون في عسير الى أين تسير

بقلم / عبد الله مريع تشكل شجرة الزيتون أهمية اقتصادية وجمالية كبرى منذ آلاف السنين …

4 تعليقات

  1. نعيمة ابراهيم

    ماشاء الله مقال يعتبر مرحع شتوي جزاك الله خير

  2. مقال قيّم جدا وشامل لعدة أمور مهمة ، جزاك الله خير الجزاء شيخنا الفاضل ..

  3. عبدالخالق عبدالرشيد سعيد

    جزاكم الله خيرا على الكلمات العذبة ونفع بها المسلمين ومتعكم الله بالصحة والعافية .

  4. ءامين يارب .

    جزاكم ربي خيرا ، نعم الشتاء فرصة للتراحم والتكافل ؛ حيث علينا تذكر الفقراء وود الجار ، كإعداد الأكل الساخن لكبار السن من الحيران او الأقارب او المحتاجين وهذه لتمتين الروابط الاجتماعية حيث أن هذه الظواهر بدأت تندثر وتختفي .

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com