
بقلم الكاتب/ ظافر الشهراني
مررت بأحد الحسابات النشيطة، وفق الله القائم عليه وسدده واعطاه حتى يرضيه ،فوجدت هذه المادة التي اعجبتني، وهي نظرية النافذة المكسورة، وتقوم نظرية النافذة المكسورة على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها، مفادها أن الإهمال الصغير إذا تُرك دون معالجة يتحول مع الوقت إلى فوضى كبيرة يصعب السيطرة عليها. هذه النظرية طُرحت في ستينيات القرن الماضي تقريبًا، عندما أجرى عالم النفس والاجتماع فيليب زيمباردو تجربة اجتماعية لافتة للنظر.
وضع الباحث سيارتين متماثلتين، إحداهما في حي فقير، والأخرى في حي غني، وتركهما وأبوابهما مفتوحة. لم تمضِ أربع وعشرون ساعة حتى تعرضت السيارة الموجودة في الحي الفقير للتخريب، كُسرت نوافذها، نُهبت محتوياتها، وتحولت إلى خردة في ثلاثة أيام . أما السيارة في الحي الغني، فبقيت كما هي، لم يقترب منها أحد، وكأن وجودها لا يعني شيئًا.
بعد فترة عاد الباحث، وكسر بنفسه إحدى نوافذ السيارة في الحي الغني، ثم غادر. لم تمر أيام حتى اصبحت كاختها، تحطيم وتخريب وإهمال حتى أصبحت غير صالحة للاستخدام.
الرسالة هنا واضحة جدًا، ليست المسألة فقرًا أو غنى، بل المسألة إشارات،وكما يقال رسالة للعقل الباطن حين يرى الناس خللًا لم يُصلح، أو خطأ تُرك دون علاج، فإنهم يتعاملون معه على أنه أمر طبيعي، بل ومسموح به.
هذه النظرية تنطبق على تفاصيل حياتنا اليومية أكثر مما نتخيل. نفاية صغيرة تُرمى في حديقة عامة او متنزه ولا تُزال، ستدعو غيرها من النفايات. سرعان ما تتحول الحديقة إلى مكان غير صالح للجلوس، ليس لأن الجميع سيئون، بل لأن الإهمال الأول أعطى رسالة خاطئة.
في العلاقات الإنسانية، تبدأ المشكلات بكلمة جارحة لم يُعتذر عنها ، أو موقف أُهمل، أو سوء فهم لم يُوضّح. ومع الوقت تتراكم هذه التفاصيل حتى تتحول العلاقة إلى حمل ثقيل، وربما إلى قطيعة كاملة. لو أُصلح الخلل في بدايته، لما وصلنا إلى النهاية المؤلمة.
والقاعدة الناجحة في إلجام الأفواه الحاقدة
والحاسدة والناقصة،هي التغافل والتجاهل وتجاوزها وكأنّها لم تكن، فالقافلة تسير وتصل إلى وجهتها، وهناك من يرقبها ويكيد المكايد ،التي تنقلب عليه لامحالة ويبقى مكانه حتى يموت كمداً ، وعلى مقولة الحكماء ( كبر دماغك) وهنا تردم الفجوة وتصلح الخلل وتحييد النافذة المكسورة لكي لاتتأثر البقية.
في الأسرة، التغاضي عن سلوك خاطئ صغير لدى الأبناء او أحد الأفراد قد يبدو رحمة، لكنه في الحقيقة بذرة فوضى، فالمبادرة إلى التعديل اولاً بأول، يؤسس لقاعدة أن الخطأ يعدل ويوضح، ليستقيم المسار وتتعدل الوجهة.
نظرية النافذة المكسورة لا تتحدث عن الزجاج فقط، بل عن القيم، عن النظام، عن العلاقات، عن الرسائل غير المنطوقة التي نرسلها حين نسكت عن الخطأ. كل خلل غير مُعالَج هو نافذة مكسورة تنتظر من يكسر ما حولها.
الإصلاح المبكر ليس تشددًا، بل حكمة. والتنبيه في بدايته ليس قسوة، بل وقاية. فالمشكلات لا تكبر فجأة، بل تنمو بهدوء، مستفيدة من صمتنا وتأجيلنا وتبريرنا.
وحين نعي هذه الفكرة، ندرك أن أجمل المجتمعات لا تُبنى بالكمال، بل بالحرص على إصلاح الخلل قبل أن يصبح عادة، وقبل أن تتحول نافذة مكسورة إلى مدينة مهدمة.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية
مقال رائع وقاعدة لحياتنا
مرورك يشرفني
يسلم راسك على هالمقال
ويسلم راسك لاعدمتك