يموت طبيب الأسنان مهنيًا قبل أن يتقاعد

بقلم / الدكتور . سمير بن عبدالله الثميري

يُعَدّ طب الأسنان أحد أكثر التخصصات الطبية استنزافًا على المستويين النفسي والجسدي، ورغم ذلك لا يزال هذا الاستنزاف في الغالب غير مرئي، ولا يُناقَش علميًا أو مهنيًا بالقدر الكافي. تشير الأدلة البحثية الحديثة إلى أن طبيب الأسنان يتعرض لضغط عصبي مزمن متزامن مع إجهاد عضلي-هيكلي تراكمي، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تقصير العمر المهني مقارنة بغيره من التخصصات الطبية.

عند الحديث عن المسار المهني للأطباء، يُفترض عادةً أن التقدم في العمر يقترن بالنضج المهني والاستقرار الوظيفي. غير أن هذه القاعدة لا تنطبق بالضرورة على أطباء الأسنان. ففي حالات كثيرة، لا يصل طبيب الأسنان إلى مرحلة التقاعد وهو في ذروة عطائه، بل يصل إليها مُنهكًا نفسيًا وجسديًا، أو ينسحب مبكرًا من الممارسة الإكلينيكية.

ولا يكون هذا الانسحاب دائمًا معلنًا أو صريحًا، بل يتجلى في صور متعددة، من بينها تقليل ساعات العمل، وتراجع الشغف المهني، والانتقال إلى أدوار إدارية أو تعليمية، أو حتى تغيير المجال بالكامل، وأحيانًا الاستمرار في العمل مع معاناة صحية مزمنة تؤثر في جودة الأداء والحياة معًا.

وهنا يبرز سؤال جوهري:

هل العمر المهني لطبيب الأسنان أقصر بطبيعته؟ ولماذا؟

والإجابة، للأسف، هي: نعم.

مفهوم العمر المهني في الممارسة الطبية

لا يُقاس العمر المهني بعدد سنوات العمل فحسب، بل بقدرة الطبيب على الاستمرار بكفاءة ذهنية مستقرة، والحفاظ على جودة القرار الطبي، والعمل دون ألم جسدي أو إنهاك نفسي مزمن.

في العديد من التخصصات الطبية، يستطيع الطبيب تعديل نمط عمله مع التقدم في العمر، سواء من خلال تقليل الجهد البدني أو التحول إلى أدوار استشارية. أما في طب الأسنان، فإن الجسد والجهاز العصبي يُمثلان الأداة الأساسية للعمل، ما يجعل أي تدهور صحي مؤثرًا بشكل مباشر وفوري على القدرة المهنية.

الضغط العصبي المزمن في طب الأسنان

من منظور علم النفس المهني، يعمل طبيب الأسنان داخل ما يُصنَّف ببيئة ضغط مزمن عالي الخطورة (High-Risk Chronic Stress Environment)، وهي بيئة تتسم بارتفاع مستوى الضغط، واستمراريته الزمنية، وغياب المؤشرات الخارجية الواضحة للإنهاك.

خلال الجلسة العلاجية الواحدة، يُطلب من طبيب الأسنان أن يتخذ قرارات علاجية دقيقة لا تحتمل الخطأ، وأن يدير قلق وألم المريض، ويتحكم في أدوات عالية الخطورة، ويحقق نتيجة وظيفية وجمالية في آنٍ واحد، وكل ذلك تحت ضغط زمني مباشر. هذا العبء المعرفي المتزامن، عند تكراره يوميًا، يؤدي إلى إنهاك عصبي تدريجي، وليس مجرد تعب عابر.

نظرية التحميل المعرفي وتآكل القدرة الذهنية

توضح نظرية التحميل المعرفي (Cognitive Load Theory) أن العقل البشري ينهك عندما تتجاوز المتطلبات الذهنية اللحظية قدرته على المعالجة المتوازية. وطبيب الأسنان نادرًا ما يحصل على فواصل إدراكية حقيقية بين الحالات، ما يؤدي إلى تراكم الإجهاد العصبي، وانخفاض القدرة على التعافي الذهني، ومن ثم تراجع التركيز والدافعية المهنية مع مرور الوقت.

تدهور الصحة الجسدية: الوجه الآخر للاستنزاف

إلى جانب الضغط النفسي، يُعد طب الأسنان من أكثر المهن الصحية ارتباطًا باضطرابات الجهاز العضلي-الهيكلي. وتشمل المشكلات الأكثر شيوعًا آلام الفقرات العنقية والقطنية، والتقلصات العضلية المزمنة، وآلام الكتف، والتهابات الرسغ ومتلازمة النفق الرسغي.

وترتبط هذه الاضطرابات بطبيعة العمل نفسها، من أوضاع غير فسيولوجية، وانحناء متكرر للرأس والرقبة، وتثبيت طويل للكتفين، وحركات دقيقة متكررة لليد والرسغ. ورغم أن هذه الإصابات تتطور ببطء، إلا أنها تؤثر بشكل مباشر على الاستمرارية المهنية وجودة الأداء.

العلاقة التبادلية بين الألم الجسدي والضغط النفسي

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الضغط النفسي المزمن يزيد من توتر العضلات، ويُضعف آليات التعافي الجسدي، ويرفع الإحساس بالألم. وبهذا تتشكل حلقة استنزاف مغلقة: الإرهاق النفسي يزيد الألم الجسدي، والألم الجسدي يُسرّع الاحتراق النفسي، وهو ما يفسر قِصر العمر المهني لطبيب الأسنان مقارنة بزملائه في تخصصات طبية أخرى.

خصوصية طب الأسنان مقارنة ببقية التخصصات

مع كامل الاحترام لجميع التخصصات الطبية، يتميز طب الأسنان بخصوصيات تزيد من حدة الاستنزاف المهني، من بينها العمل الفردي داخل الجلسة العلاجية، والاعتماد الكامل على الجسد كأداة عمل، والتقييم المباشر والفوري من المريض، والجمع بين الدقة الطبية والحكم الجمالي، إضافة إلى محدودية الفواصل الذهنية خلال يوم العمل.

خاتمة

إن قِصر العمر المهني لطبيب الأسنان ليس نتيجة ضعف فردي، بل هو نتيجة مباشرة لبنية مهنية تجمع بين ضغط عصبي مزمن، وتدهور صحي عضلي-هيكلي، وغياب إدارة نفسية وجسدية واعية. إن الاعتراف بهذه الحقيقة يُعد الخطوة الأولى نحو حماية الطبيب، وتحسين جودة الرعاية الصحية، وضمان استدامة المهنة.

فالصحة النفسية والجسدية لطبيب الأسنان ليست رفاهية، بل شرط أساسي لطب آمن، إنساني، ومستدام .

شاهد أيضاً

الأسود تزأر عن عرينها

بقلم / حسن سلطان المازني كنا نعرف ونعلم علم اليقين بالكثير من الأمور والممارسات الخاطئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com