الهشاشة الكامنة خلف ضجيج المنابر الثقافية

بقلم/ يحيى العلكمي

في السنوات الأخيرة، ومع اتساع رقعة المنابر الثقافية وتحوّلها إلى فضاءات مفتوحة وسريعة التداول، برزت ظاهرة لافتة تتمثل في صعود أسماء لم يكن لها في الماضي القريب أي حضور يُذكر في الحقل الثقافي أو الأدبي، ولم يُعرف عن أصحابها اشتغال جاد على القراءة، ولا انخراط سابق في مشروع فكري أو إبداعي، غير أنهم وجدوا في المشهد الثقافي الراهن موجة صاعدة، فآثروا ركوبها، لا بدافع الإيمان بالثقافة بوصفها فعلاً معرفيًا، بل طمعًا في الظهور وما يمنحه من رمزية اجتماعية مؤقتة.
هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن التحولات التقنية التي غيّرت بنية المعرفة نفسها؛ فوسائط المعلومات السريعة والذكية، من منصات رقمية وذكاء اصطناعي ومحركات بحث، ألغت المسافة بين الجهل والادّعاء، ووفّرت أدوات جاهزة تُمكّن أي شخص من محاكاة الخطاب الثقافي دون أن يمرّ بتجربته العميقة. لقد باتت المصطلحات تُلتقط كما تُلتقط الصور، ويُعاد تدويرها في سياقات منمقة تخلو من التجربة، فينتج خطاب هشّ، يبدو متماسكًا من الخارج، لكنه ينهار عند أول مساءلة جادة.
الهشاشة الكامنة هنا لا تتعلق فقط بسطحية المحتوى، بل بغياب الوعي بوظيفة الثقافة نفسها. الثقافة ليست منصة للزينة ولا بطاقة عبور اجتماعي، بل تراكم شاق، ومساءلة مستمرة للذات والعالم، ومن لم يعبر هذا الطريق، سيظل أسير التلخيص السريع، والانبهار اللحظي، والتكرار الممل لأفكار مستعارة لا روح فيها.
لذلك نلحظ أن كثيرًا من هذه الأسماء تتنقّل بين المنابر كما يتنقّل الصدى، بلا ملامح ثابتة ولا موقف معرفي واضح.
المفارقة أن هذا الظهور الكثيف لا يثري المشهد بقدر ما يربكه؛ إذ تختلط الأصوات الجادة بالطارئة، ويصعب على المتلقي غير المتخصص التمييز بين من يشتغل على الثقافة بوصفها مسؤولية، ومن يتعامل معها كموضة عابرة. ومع الزمن، تتكشف الفروق؛ فالمشروعات الحقيقية وحدها قادرة على الصمود، بينما يتلاشى الخطاب القائم على الاقتباس السريع والتفاعل اللحظي.
إن النقد هنا لا يستهدف إقصاء أحد، بل يدعو إلى إعادة الاعتبار لمعنى الاشتغال الثقافي، وإلى فضح الهشاشة الكامنة خلف الظهور السهل.
الثقافة، في جوهرها، امتحان صبر وعمق، لا سباق أضواء، ومن لا يحتمل ثقلها، سينكشف ولو بعد حين.

كاتب وناقد مسرحي

شاهد أيضاً

المشاعر وما ادراك ما المشاعر؟!!

بقلم / ظافر الشهراني  ما هي المشاعر ؟ هل طيف عابر ام ضباب ثائر ؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com