
بقلم/ إبراهيم العسكري
قبل بضعة أيام، صعدنا لديرتي التي تحوي قرى عديدة تتخللها قرى قبيلتي، ركزت على قريتي فوجدها خالية من السكان وتأملت جدرانها وأنفاقها وسبلها التي أصبحت من بقايا الماضي، فأرى كل موطئًا فيها وحجر كأنه يبكي الفراق متحسرًا بنحيب مستمر متسائلًا: أين انتم ولما رحلتم يا من كان أنسي وسعدي بقربكم؟ لماذا هجرتموني وتجاهلتم احتوائي لكم وللأجداد والآباء؟ لما تناسيتم العشرة وكل الحب والإخلاص؟!
كنا لكم سكنًا ومأوى، وكنتم لنا الدفء والأمنا. تأملت بث الأحزان من بيتنا الحجري الأبي القوي بوسط قريتي الغالية الرهوة. بيتنا يطل على ساحة كنا نراها خلاف ما نشاهدها الآن، فكانت البيوت كبيرة والساحة نعدها ميدانًا فسيحًا نعمل به ونرتع ونلعب ونزهوا بكل السرور والابتهاج والاندماج.
إنها ساحة يجتمع فيها كبار القبيلة للتشاور في شؤون حياتهم، ويجتمع فيها الكثير من أهالي القرية والقرى المجاورة للترحيب بمقدم كل من يقصد قريتنا سواءً من أهلها الذين رحلوا ثم عادوا أو أي ضيف قادم.
ساحتنا مُرحب يجتمع فيه الأهل والخلان والجيران بأفراحهم وأتراحهم، وحتى مواشيهم لحين يتم فرز المواشي ليستقل كل باهله، وهناك تفرز أيضًا منتجاتهم الذاتية والمحلية من الحصاد والطحين والحطب والمستلزمات البسيطة من منتوجاتهم الذاتية.
كنا صغارًا نلتف بقريتنا في اليوم دورات عديدة غدًا وعشيًا لتفقد أحوالنا مع بعض، فنساعد المحتاج للعون ونضحك بلحظات مستقطع الوقت بالمرح والابتهاج.
القرى المجاورة تتشابه في كل الأنشطة، فكنا نحتفل في الأعياد وبوقت إنهاء الحصاد وبالزواج والختان وبسلامة المريض ومن في حكمه كنا نسعد بقدوم الضيوف ونقيم بذلك سمر وولائم متواضعة تليق بكل الانجازات التي تتحقق بفعل التعاون المجتمعي من جميع أهالي القرية.
كان للرجل أدوار متعددة يقوم بها في الزراعة والحصاد والرعي والبناء المستمر. أيضًا للنساء أدوار إلى جانب الرجل فضلًا عما يقمن به من ترتيب البيوت ونظافتها وجلب الحطب والماء على الظهور والأكتاف وكثير من المهام الموكلة لهن بالمواشي وتجهيز الطهي وغيرها.
لم يهمل دور الصبايا والصبية ولا حتى الأطفال، فهم داعم قوي في شؤن الحياة كل حسب تميزه.
اليوم باتت قريتي كقريناتها يعتليها الحزن والفراق الذي رأيته مجسدًا في داخلي يُعبر عما فيها، فجدرانها وكل شيء فيها يريد أن يتحدث بالمشاعر والألم لتقول بأعلى صوت: كنا معكم حيث كان الأجداد والآباء معنا هنا، فلا تنسوهم من الدعاء بجميل ماضيهم ولكل من مضى معهم وطالما هجرتونا فأعلنوا لنا مراسيم الفراق وأدنوا منا لغلق الستار لذلك المسرح الجميل راجين لكم ولكل من سبق حسن الختام.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية