ترحيب «جدتي» بالضيوف!

ليست قصة من نسج خيال، ولا حديثاً منسوخاً من أرض بعيدة سحبته لألصقه هنا، بل هي حقيقة أفتخر وأفاخر بها، ولا أجد عيباً معها في السفر لواقعها وواقع قريتي وقرى متعددة بتنا نخجل من أن نتحدث عن ماضيها الذي ألفناه وذبنا فيه وفي ملامحه العائدة ببطء عبر ذاكرة إذا أحبت أجادت الحب، ولكنها تهرب من البوح به، والإفشاء بتفاصيله، لا أجد – مطلقاً – خجلاً من أن أتحدث عنه، فليس من ضمن يوميات هذا الماضي ما يدعو لــلخجل أو بــخفاياه خـطأ أدس الرأس بعده، وأقفــز بتداعياته للحاضر ومــن ثم المــستقبل المجهول كالهارب تماماً.

عاشت «جدتي: نائبة عن شريكها الذي أحبته واختارته بعينيها قبل قلبها في تسيير دفة حياة معيشية صعبة، واحتاجت هذه الحياة لتضامن جسدي، وهطول متوازٍ للعرق بين الشريكين وتحمل لما تفرضه ظروف زمن من أرق مقدور عليه بالحب والمودة ليصلا بفتنة الحياة الدنيا من البنين إلى أمان معيشي متوسط.

كانت ملاحقة لقمة العيش تترك كل دفاتر الحياة مفتوحة للمشاركة والمساهمة، ولا يوجد من يشكك في رداءة ورقة واحدة أو هشاشتها بل كان هؤلاء البسطاء – ولا زالوا – مضرب مَثَل، وصورة عظيمة من صور تقدير الحياة وعصامية المرابطة في مشهدها العظيم.

لم تكن تستقبل جدتي الصامدة ضيوف منزلها وتثني الترحيب وتعد المكان حتى يعود شريك الحياة بتجاعيد اليوم ونبوءاته إلا لأن القلوب نقية طاهرة تلتحفها مفردات الشيمة والصدق والطهر والكرم، ولم تشارك في السقيا والزراعة والبناء والحصاد وأناشيد الصباح وتراتيل المساء إلا لإيمان من حولها من أهل المكان أنها ومن يشبهها جزء لا يتجزأ في المسيرة، وجوهرة غالية لا تصلح الأرض إلا بها. كانت الجدة بذاك الزمن أختاً وزوجة، تفتن زوجها وتضحي من أجله، وتقوم بمن حولها، تقف بينها وبين كل المجاورين مفردة الحشمة لأن الأرض الصغيرة مسرح مشترك لكل أجندة التعاون والتكاتف والتسامح وحب الآخر ونقاء المصدر.

الآن تقف جدتي على أبواب الثمانين نشيطة إلا من أوجاع استعادة الذكريات، فرحة بما نحن عليه من ترف معيشي جعل الأحلام الصعبة سهلة كشربة ماء، تقف وهي تغطي وجهها عن أقرب الأقربين، على رغم أن خذلان عينيها على امتداد العمر الطويل من اكتشاف ملامح وسحنات القريب قبل البعيد، عرفت القرى والبيوت والطرق البدائية والممرات الفاتنة وحفظت كل نداء، ومعها حفظت واستوعبت الوجوه التي سكنت أو عبرت، سجلت اللحظات بدقة متناهية وأدركت أن قلبها يسع الجميع ويحب من يشابهه في الضمير والإنسانية وعلو الكعب. كانت قريتي وأهلها ومن شابههم على امتداد الشريط الوطني أبرياء بالفطرة، وانقياء كما هي الأرض التي تضمهم، جدتي مثالهم المتبقي بعشقها الجارف لزمنها الطيب.

عندما رحبت جدتي بالضيوف، لم تسمع حولها من يوجعها بالعيب والخطأ وقسوة الاختلاط ولو هَمْسَاً، لأن هذه المفردات منزوعة بالفطرة التي ولدوا عليها ولا تذهب لها حبال التفكير المتصلبة، يبقى السؤال المؤلم الحزين من قتل فينا براءة السابقين ونقاءهم؟ من أحال أجيال هذه الأرواح العاشقة الصادقة الطاهرة إلى لعبة شكوك ولعنة حرام وقسوة تقييم اجتماعية تضرب بعصا غيرها، كيف أصبح الضمير رديئاً، والشيمة منزوعة، والحب محرماً، هناك سبب لهذا التضاد والتضارب وفقدان جمالية حياة نحب أن نستعيد قصصها وذكرياتها وملامحها ولكننا نخشى أن تعود، هناك سبب ما وأقسم لكم أنه ليس الدين! فــارتــباط هؤلاء العظماء بديننا كأن أقوى وأقرب.

alialqassmi@hotmail.com >

شاهد أيضاً

تعليم سراة عبيدة يحتفي باليوم العالمي للدفاع المدني

صحيفة عسير _ يحيى مشافي شاركت إدارة تعليم سراة عبيدة مُمثلة بإدارة الأمن والسلامة المدرسية …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com