علي العمير في حضرة الغياب

هل هدأ البركان النقدي الذي كان يتواصل ويتفاعل مع المعارف المتراكمة بفهم نقدي صاعق؟ كان شديد الاستجابة والفوران والغضب عندما يحاول البعض العبث أو المماحكة مع تراث الأمة، وأصالة جوهرها، أو يدعو للقطيعة مع موروثها، فهو ممن أشبعوا القديم بحثاً وفهماً ليخرج بتجربة عميقة وواسعة ومتعالية، دون أن تحول بينه وبين معارف العصر ومستجداته. له أظفار حديدية متسلطة، وعناد لا يهدأ ضد المكونات التعسة، وأصحاب الورم الذاتي، ومستهلكي التنظير الفج، وقشور الفهم السقيم أغلب الجيل الجديد لا يعرف الأديب والناقد علي العمير، أو لم يشهد معاركه وحرائقه التي كان يشعلها منذ الثمانينيات الهجرية، والتي أصبحت جزءاً من غذائه اليومي الصاخب، لم يكن يوماً ضد التجديد، ولكنه ضد الخروج على الأبوة التاريخية ونفي السابق. كان يسعى في كتاباته لإيقاظ الوعي، ومناهضة الرتابة والنمطية برؤية عصرية كواحد من جيل الشباب في حينه. حرك حيوية الخطاب النقدي الساخن والساخر، وترك بصماته على جسد المشهد الثقافي. مما جعل بعض خصومه يعيب عليه عدم أخذه بأصول النقد الحديث ومناهجه وآلياته كمنهج تطبيقي، ويتبرمون من مناكفاته الحادة، وتحليلاته الصادمة، والمغايرة للدرس النقدي المعاش، بل اعتبروا نقده مجافياً لتطبيقات مناهج النقد ذات الصلة بالآداب الأجنبية والنظريات المستنسخة، رغم علمهم بأن العمير يملك مفاتيح نقدية غير تقليدية، فلقد أنجز مشروعه وقدمه بصوته الخاص وبرؤيته الخاصة. سيطرت المفاهيم النقدية الساخرة على أكثرية نقده، حيث يعترف بذلك فيقول: إن نوعية الموضوع الذي أتناوله، أو أكتب عنه هو الذي يستوجب السخرية أو الشدة أو اللين أو البساطة أو الثناء، وذلك ما تثبته كتاباتي وكتبي وهي دائماً منذ أكثر من أربعة عقود تحت أنظار القراء، إن ولعي بالسخرية أو القسوة في النقد الأدبي وغيره لا حد له، وذلك منذ زمن بعيد، حيث قرأت الكثير جداً لأساطين الأدباء الساخرين والقساة من النقاد الكبار، وأعرفهم جميعاً من الجاحظ إلى أحدث الساخرين في عصرنا من عرب وغير عرب، ولعل الأكثر قسوة الأستاذ مصطفى صادق الرافعي وخاصة في كتابه “على السفود” أو كتابه “تحت راية القرآن” أما أكثر سخرية شديدة فهو على ما أذكر الأستاذ الكبير “مارون عبود” في جميع كتبه. ومن ثم كان من الطبيعي أن أتأثر بذلك خلال 45 عاماً من قراءاتي.

كان الأديب علي العمير مهموماً بالواقع الاجتماعي من خلال زاويته “تحت الشمس” والتي بسط فيها جهده المعرفي وسعيه الدؤوب لمعالجة كثير من القضايا الوطنية. ترى هل انطفأ العمير بفعل جبروت النسيان؟ أم قسوة المرض الذي لا يرحم؟.
>

شاهد أيضاً

تعليم سراة عبيدة يحتفي باليوم العالمي للدفاع المدني

صحيفة عسير _ يحيى مشافي شاركت إدارة تعليم سراة عبيدة مُمثلة بإدارة الأمن والسلامة المدرسية …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com