جيل طاب لهم الإبداع

.. وأما الجيل الجديد من المبدعين، فإنه يجهل الكثير الكثييير مما نعرفه، ونتمنى أن بيننا وبينه مسافات أطول من المسافة بين قمة جبل تهلل وقمةٍ جرداء في المريخ؛ فالجيل الجديد من عشاق القصيدة الحديثة والفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي والأفلام القصيرة، يجهلون المناطقية والقبلية البغيضتين اللتين تسكنان قلوب وعقول آبائهم نتيجة فترة ما، كان الانتماء إلى إحداهما إشباعا للجوع الانتمائي، حينما كان الانتماء إلى الوطن من المحرمات التي يُنبذ صاحبها، ويتهم بأنه ينخر في جسد الأمة الكبرى، فلا يُشرك في أمسيات الشعر، لأن شعره شاعرٌ بالوطن، ولا يُقدم في المجالس، لأنه لا يشعر بالانتماء إلى قندهار!

المبدعون الجدد، لا يعرفون الطائفية التي كرستها مئات الأشرطة والمنشورات والخطب، حتى باتت عند من لم يستطع الخلاص منها محركا للتفكير، وموجها للرؤى.

الشباب الجدد، لا يؤمنون بأن المرأة عورة وعار، وأن منجزها الأوحد هو الإنجاب، وأن أيما امرأة تعيش إنسانة، قد خرجت على شروط الحشمة، واستحقت سوء السمعة.

هؤلاء المبدعون المتخفّفون من أحمال التصنيف، يؤمنون ـ فقط ـ بخالقهم، ثم بإبداعهم وتطوير أدواتهم، وبمثاقفاتهم التي تحدث كل ثانية، عبر عشرات الوسائط التي يجهلها السابقون، بينما يراها اللاحقون الحياة.. كل الحياة..

لا يستغربْ أحدكم من أن يدخل عليه ابنه العسيري ـ مثلا ـ حاملاً “كرتونا” من أجود أنواع تمر القصيم، وحين تسأله: من أين لك هذا؟ يجيبك بأنه هدية من صديقه القصيمي، الذي عرفه عن طريق “الفيس بوك”، وهو مبدع في “الفوتوشوب”، وقد أرسل هدية مثلها إلى الصديق المشترك هاني بخاري في مكة، وهو “مونتير” ممتاز للأفلام القصيرة، وصديقهم الآخر عبدالله العطوي في تبوك، وهو مصور فوتوغرافي محترف، وصديقهم خالد الملا في الأحساء، وهو فنان تشكيلي وممثل مسرحي، وينوي إرسال هدايا مشابهة إلى ثلاث من المصورات الفوتوغرافيات العضوات في “قروب” إبداعي على “فيس بوك” اسمه “مبدعون للإبداع”، لكن بعد أن يستأذنَّ أهلهنَّ في ذلك.

المبدعون الجدد، ليس لهم رموز يتبعونهم، ويتتبعون أقوالهم، ويطبقون توجيهاتهم، وينطلقون في مواقفهم كلها مما قاله الرمز، أو فعَلَه، أو ألمح إليه، أو حتى توهموا أنه يريده، وإنما يبنون مواقفهم على إراداتهم وقناعاتهم وما ثقفوه من الاستقلالية وإعمال العقل، وأنه لا يوجد بين البشر من لا ينطق عن الهوى غير رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

المبدعون الجدد، هم مستقبلنا الحقيقي، وهم جيل الرهان على وطن خال من التصنيف والقبلية والطائفية والمناطقية ومحاكمة النوايا، ولذا فإنهم أولى بنا من أي فئة تنطلق من الرؤى المتكلسة، وتصنِّف قبل أن تعرف، وتتَّهِم قبل أن “تحسن الظن”.

المبدعون الجدد، يستنبتون في عقولنا خلايا الحلم بمجتمع خال من العقد.. طاهر من التي قال عنها رسولنا عليه الصلاة والسلام: “دعوها فإنها منتنة”.
>

شاهد أيضاً

سكر الأجاويد في نهار رمضان

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com