شقراء العرب!

الجمال نوعان: جمال بسيط (شكلي) وهو تناسق الأعضاء، وجمال مركَّب وتعريفه صعب لا نهائي، وهو الجمال الحقيقي. ولأن رمز الجمال الأول في الحياة كامن في المرأة، لفت انتباهي ذلكم العدوان الصارخ على جمال المرأة العربية، وكأن العرب تنقصهم الاعتداءات على قيمهم وأراضيهم وحرياتهم ومقدراتهم فيسلبون حتى جمالهم!!

أنا لا أملك أكثر من رَعَوِيَّتي وأنا أرى المرأة العربية الأصيلة المسكينة التي حمَّلناها ما لا تطيقه، وأثقَلتنا هي من الجمال بما يخرجها عنه، ويحرم ذوقنا العربي حسّه..!

ونحن -معشر العرب- ننتمي أنثروبيولوجياً إلى الجنس الأسمر والهندي، وهو غاية الجمال عندنا وفي ذائقتنا، ووجدتُ هذا محبباً جداً إلى أوروبا، وخصوصاً كلما أوغلتَ في اتجاه الشمال، وأنَّ المرأة العربية بليل شَعرها هي سيدة عاشقي العرب، الذين اشتهروا بالعشق إلى حدود مجانينهم، ولمْ أجدْ في شعرهم ما يتغنى بشقرةِ الشعر بمقدار فاحمه وليْليِّه إلا بعد انتشار جواري القصور وأشباههن وأتباعهن حتّى اليوم!

تجد نفسك منبهراً وأنت تتابع من أمكنك رؤيتها من نساء العرب اللاتي أنعمَ علينا الزمن بمشاهدتهنَّ على الشاَّشات، أو سَرَقَتْنا أعيننا -التي فطمتها أزمنة عجيبة عن رؤية أخواتنا النساء- سرقتنا برؤيتهنَّ في الحياة في لحظاتٍ منْ جرائم النظر الشعوري واللاشعوري أو الإجباري أو الصدفوي أحيانا، فلا تجد ما يتحدَّثُ عنه شعراء العرب قديمهم وحديثهم (وهو لسان الجمال) من الشَّعر الفاحم والليل البهيم الذي يلفُّ قمره أو نجمه.. ما ستجدهُ وتراهُ هو: عالمٌ تنكُّريٌّ غير راضٍ عنْ ماهيته، ولا يؤمنُ بجماله، ولا يعتدُّ بذاته، بل يبحثُ عنْ نواقصه التي أوجدها هو، ثم يعـيضها بأشكالٍ من الرسم الذي وفَّرَتْهُ له إمكانات الحياة ومصانع التجارة الرابحة على حساب الوجوه الجميلة، وفي هذا دلالة على كمال شعورنا بالنقص حتى أمام ذواتنا، وذكر لي أحدهم من الخبثاء أن السبب في عجز بعض المتزوجين عن الدخول بزوجته ليلة العُرس يعود إلى انبهاره بهذا الكائن المتخفِّي أمامه بعد إزالتها أجهزة التنكر التي أحاطوها بها!

سؤالٌ واحد أودُّ توجيههُ إلى كلِّ امرأةٍ في جزيرة العرب وأمثالها ممن صاروا عربا وهو: لمَ تَزييفُ اللَّونِ والشَّعر والبشرة واللِّباسِ وحتى السلوك؟ وهلْ بلغَ بنا (اللاّشيء) حدَّ أن نغَيِّرَ جمالنا الذي أوْتيناهُ بل نقضي عليه بميزانياتٍ يمكنُ أنْ تنهضَ بوطن وأمة، ثم نشكو الدَّين والعوز والبطالة؟ ثمَّ ألمْ يكفِ عالمَنا العربي تبعيَّتُه السياسية المضحكة والعلانية حتى نُلْحق بها تبعيات الجمال الفطري الذي نحمله؟ ألَمْ يبقَ لنا حقٌّ حتى في ألوان وأشكال نسائنا؟ ولمَ تُصرُّ زوجتي أو ابنتي العربيَّة الأصيلة على شقراويَّتها؟ أليس في ذلكمْ دلالاتٌ على أنّ في أعماقنا عُقَداً نفسيَّةً لا ندركها من الحاجة إلى التَّبعيَّة حتى في الجمال؟

لقدْ كان هناك عذرٌ لمن مرُّوا بانْبهار حضاريّ من نوع ما خلال أوائل الانفتاح على الآخر المختلف، لكنْ بعد أن انفتح العالم على مفهوم الجمال النسبي المركب والمُطْلق الذي لا يمكنُ تحديده بمعيار ما، لم يعدْ هناك تفسير لتوجه المرأة العربية نحو التَّشَقُّر سوى تفسير التبعية الجاهلة العمياء لما لا نعلمه ولا نفهمه ولا نبحث عنه! ومن بؤرة هذه النُّقطة الجمالية البسيطة نستطيع تحديد مدى حريتنا وشعورنا بتبعيَّتنا!

نحن نعترف بأن العروبة السياسية والقِيَمِيّة قد تلاشتْ إلى درجة أن بيننا نخبة مثقفةً صارتْ تسخر من كل مشروع قومي عربي، وتستهتر بمن يتحدّث عن قيمة اسمها (عروبة) على اعتباره متخلفاً عن الفكر العولمي الذي يعني إذابة القيم المكانية والقومية في بوتقة إنسانية واحدة لم تتشكل بعد ولن تتشكل، ونعترف أن هناك صراعاً بين القيم واللاقيم لا منتصر فيه، لكنْ: أن تصرّ المرأة العربية السمراء الجميلة على الشّقرة، ففي هذا دلالة جليّة على أن القيم قابلة للآنية، وأن قضيّة المرأة ليستْ ثابتة، بل هي -أي المرأة- مرتكز التغيير الاجتماعي، فأنت ترى امرأة مثقفة بل وعالية الثقافة، لكنها تبحث لشكلها عن شكل تنكّريّ آخر يكون غالباً بالتوجه نحو التشقّر دون ثقة حتى بشكلها فكيف بالجوهر!

وللباحثين والباحثات في المجالات الاجتماعية أقول: إن في هذه الأشكال التنكّريّة النسائية مجالا واسعا للبحوث عن الأمراض النفسية الشخصية والاجتماعية وأسبابها وأنواعها وطرائق علاجها. ثم هل أخطأ الشاعر الإفريقي الكبير (ليوبولد سنغور) وهو يتغنى بالمرأة السوداء دون أن يكون مفتقرا داخل سودائه (إفريقيا) إلى الشقرة رغم عقدة اللون التي لم تقتصر على الأسود الإفريقي، بل وصلت بقوة إلى المرأة العربية السمراء؟ هل أخطأ هذا الأسود العالمي حين قال:

(وعند شموسِ عينيكِ القادمة

المرأةُ السوداء

أغنِّيْ جمالَكِ الذي يمضي

الصورة التي أرسِّخُها في الأزل

قبلَ أن يعيدَكِ القدَرُ رمادا لتغذّيْ جذورَ الحياة)

>

شاهد أيضاً

TOP 10 Fiables en France

TOP 10 Fiables en France Nous explorons ici les principaux types de bonus sans dépôt …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com