يا غَبْنَ عَيْنِيْ

أعوذ بكم جميعا من كوني مجرد كاتب رأيٍ لا يزمجرُ سوى بالعويل على فساد إداريٍّ بسبب أنه (أمسى يعنُّ الخيلْ من لا يعنّها، وباتتْ رخال الضأن تعلو فحولها)..كما أعوذُ من تحوّل كتاباتنا إلى أنين على قومٍ صُبَّتْ عليهم دراهمُ معدودات من تجارة بترولية عابرة فأحالتهم إلى عاطلين عن الحياة والفعل والحب والكدح والفرح والترح،فملأ المتزلفون بتأبينهم صفحات من الصحف، وألوذ بكم من أن يتحول الرأي لدينا إلى مجرد ردَّات فعلٍ لكل أمر حقير في بعض الأقبية الفاسدة من الإدارات والأقنية والأفعال وسياسات اللعب بحياة البشر ومصائرهم، متناسين ما ينوء به هذا الوطن من قيم العروبة والخير والجمال، أو أن يكون الرأي مجرد مَخبرٍ علميّ جافّ لا يجول في جنباته لحن من ألحان بقايا الشيم والقيم وغذاء الروح لحنا ودمعا. فلا يجرمنّكم شنآن كتاباتٍ عن إدارات فاسدة أو لصوصيات كبرى وصغرى على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب لأهل الأوطان..ولا تصدّقوا آلة الإعلام الضخمة التي ترسم لنا مجتمعا سوداويا لا يزدحم فيه سوى السوء في كل الطبقات والأماكن، وتغيب فيه شيَم العروبة والنقاء والوفاء! فقد ثبت لي أن مجرّد التهجين العربي عبر الزمان وفي كل مكان قد ينتج مركّبا يغلب عليه عنصر العروبة والحب والإنسانية، وأن ما نراه يحدث أحيانا في هذه الجزيرة من عكس هذا ليس إلا تفاعلا تجريبيا مع تساقط الريال على الرجال من مصادر جاهزة لا أصل لها ولم تأت عن طريق الكدح ولا التدرج الحضاري الإنتاجي!لا تيأسوا من الكَتَبة حين تتجه أقلامهم صوب خطيئةٍ أو فساد أو مأساة أو قرار أو نظام فاسد، ولا تأخذوا كتاباتنا قاعدة يستخدمها الباحثون دلالة على فساد بنية أمة، لأن قيم الأمم مظلومة بأخذها من كَتَبتها فقط حين لا يرون سوى السلب..خذوا قيمنا من جوهرنا حيث التعبير القيَمِيّ التلقائي في المواقف، ومن قال: إن النظُمَ تحكم القيم أو تشكّلها فلا تصدّقوه، لأن القيم هي التي ينبغي أن تُبنى عليها النظُم لا العكس،إذ مُشكلُنا: أننا نضع النظم بمعزلٍ عن القيم ولذا تكون نظما فاسدة!صدقوني إن مجتمعنا عجيب، فهو يمر بصراع غير منظور لا يعرفه غيره، صراع بين قيمه ونظُمه، فالقيم تنبع من جوهره، وهي تلقائية لا تخضع لمعاييرعلمية تقنينية مخبرية أوإدارية، لكنّ نظمه تبحث عن تقليد جاهز قد لا تهضمه القيم، ولهذا نجد ما نطلق عليه هنا (الشّيمة) تخضع -لدى المؤمنين بسيطرة النظم- لِلْمَنْطَقَةِ والسببيّة الميكافيلّيّة، بمعنى: إذا قدّمت لي أمرا فما المقابل؟ وهذه تجارة مشروعة في المنطق والجدوى، لكنّ قيم الشِّيم التي نعرفها هنا لا تخضع للجدوى، بمعنى أن نظمنا الاجتماعية الحقيقية كما يجب أن تكون، تنبني على قيمة الشِّيمة أكثر من الجدوى التي يؤمن بها كثيرمن البشر..أقول قولي هذا بمناسبة تساقط بقايا نجوم حقبةٍ من دهرنا العربي النقيّ أمام أعيننا تساقطهم بموتهم وعجزهم بعد أن كان صهيل حبهم يرسو على صدر جزيرتهم وتشبههم جبالها واتّساع صحرائها.. وبمناسبة من قضى نحبه من عمالقتهم ممن كنتُ أجدُ فيهم تجسيدا لمفهوم الوطن ذي الروح والعراقة، حيث كان يوم عيد الفطر هنا عيد أحد عمالقتهم، وأبكتني مواساة أخي الأديب الإعلامي اللامع (عيسى سوادي) ونصها: (يا غبنَ عيني على أبو يحيى) وهي جملة أؤكّدُ لكم بأنّ من سيئاتها أنه لا يستطيع استيعابها أيّ عربيّ لا ينتمي إلى جنوبِ هذه الجزيرة البِكر..وأقول هذا بمناسبة صراع أحد أرباب تربية الأجيال والشّيَم والقيم منهم مع بقايا زمنه في مشفى المنطقة حيث لا أستطيع رؤيته، فكلما رأى من يحبه لم يستطع التعبير، فيعبّرُ قلبه الكبير بانخفاض الضغط حتى سكوته المتقطّع برؤيا الأحبة، وآخر كان عمدة في وظيفته ومكانته يعاني صامدا لم يتجرأ العدم على زيارته..عاش ذلكم الجيلُ من أساتذتنا وروادنا وأحبتنا عزّةً قعساءَ لمْ تكنْ مصادرها كتب التاريخ المزيّف، ولا تلكم القنوات التي تتجشّأ بزعامات القَتَلَةِ الذين يسخّرون إمكانات شعوبهم لحماية قصور الفساد وعهْرِ الفكرِ الكاذب (مع التحية لأخي رئيس التحرير صاحب المصطلح في غير موضعه)، ولا تلكم المنابرالتي تتاجرُ بدين عاشوا زمنهم وأرضهم لله ثم لشيمهم وقيمهم وحبهم وصدقهم وعائلاتهم التي لا تملك بعدهم سوى تشخيص الراحلين الذين نقلوا التربية نقلا سلوكيا فوق مستوى التمدرس، حيث لم يعدْ سوى حفظٍ أجوف ضدّ الفقه..غادر بعضهم وسيغادر الآخرون من الله إلى الله مورّثين لنا تلكم القيم التي لم تزلْ صامدة تصارعُ في وجه عدوان عولمتها..

ولا عزاءَ لنا في موت تلكم الحقبة من بقايا الزمان العربي السوي سوى ما وجدناه منها كامنا في أبناء هذا الوطن يحملونها بين جوانحهم، وقد لا تظهر إلا في منعطفات التاريخ والأحداث المهمة على مستوى الفرد والجماعة، والأهم في هذا أن نستطيع رؤيتها لا أن نتبلد تجاهها وكأن أصحاب الشيم والفضل لا فضل لهم، وكأن موت الرجال موتٌ للقيم! ومن اللؤم بمكان أن نرى الخير ونتجاهله!

نحن بخير، وخيرنا طاغ على شرنا، وكم أتمنى – حين نكتب- أن ننصف واقعنا الخيِّر، كما نحاول دائما أن نتصيّد واقعنا الشرِّير الذي لا يختلف عن سوانا في العالم سوى بالادّعاء المضحك بأننا ذوو خصوصية على العالمين.
>

شاهد أيضاً

3 مواجهات غداً في انطلاق منافسات الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين

صحيفة عسير ــ الرياض تنطلق غدًا الخميس منافسات الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين “دوري …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com