أسود في السوق أحمر في البيت!

هل هذا خطاب المستقبل، أم خطاب الانكسار وشلل الطاقات، وبعثرة الإمكانات والقدرات؟ من أين جاءت هذه الرواسب البالية وآفات التخلف التي تعيق التنمية الوطنية في الوطن العربي، وتفاقم من حمأة تراجعاته وإخفاقاته؟ هل وقعنا فريسة للزمن الصعب حين عطلنا الممكنات الذهنية والمستقبليات الفكرية للأمة؟ إن بعض ما نراه في الفضاء العربي، يدخل في إطار الإحداثيات التي يجب إزالتها بلغة العصر، كيف ننشد نهضة عربية؟ وهاجسنا الأول الإجابة على سؤال إحدى القنوات والتي تعيده منذ عام منصرم حول “أخضر في المزرعة أسود في السوق أحمر في البيت” ثم تكمل تلك الفتاة الضاحكة بفمها الجرذي الشقي، وجسدها المتسلط، تطلب من الكائنات الليلية أن “يرنوا رنة واحدة وبس” ليربحوا ما يزيد على مكافأة نهاية خدمتي التقاعدية مضروباً في عشرة، إن صدقت ولكنها تكذب، ترى هل هذا ضرب من ضروب الهزيمة النفسية، ونموذج سافر للانحدار إلى الهاوية؟ هل هذا استحضار للقشرة المخبوءة في جمجمة من يدير هذه الدكاكين السابحة في الفضاء؟ هل هذه محاولة أخرى لاغتيال العقل العربي؟ إنها الانطفاء والخطر الداهم، والأرجوحة المستبدة بالوعي، إنها الخواء والاختراق والاستغلاق النابذ للإدراك، وليست هذه القناة وحدها ولكن الأغلب منها تلح على تكريس الفراغ، والعزف على الأجساد المعبأة بفحيح الأفعى، والنافرة كعروق الزجاجة! ومما يثير انفعالك ويؤرقك، ويستحوذ على جوارحك فتوزع تهكمك الحاد، وسخريتك المريرة أن من يقوم في الأغلب وينهض للإجابة على ذلك السؤال الميتافيزيقي السابق “الأسود والأحمر” والمثقل بالفلسفات والمعطيات السايكلوجية، والمشحون بالعلوم العقلانية والذي يتطلب معاجم ومراجع في الهندسة الوراثية وعلم الجينات وحرب النجوم هم من “ربعنا” وليته يصيب في الإجابة، بل يخطئ ويربح ابتسامة غامضة مترعة بالغنج والاصطياد، ويحصل فوراً ومباشرة على أغنية لأخطبوط الشرق شعبان عبدالرحيم. لماذا لا يقف ذلك المد الطافح بالتجهيل؟ والمندفع بالاتصالات المراهقة التي يقوم بها البعض منا، فقد أصبحت ظاهرة على المستوى الفكري العام، لماذا نغرق في ذلك الوحل الفضائي الحالك الذي وضعت أطره وقوالبه كما أتخيل لتتوافق مع سمات ومحددات وحبائل لشبابنا؟ إننا ندعوهم – أي الشباب – للانعتاق من سجن هذه التداعيات والسلبيات التي تسيء لوطنهم قبل أن تسيء لذاتهم، إن المتأمل والراصد لمثل هذا المشهد البائس يشعر بالانقباض والخيبة والغليان الجارف، فهي علة كما أظن علينا تشخيصها وعلاجها بما لا نفسره قمعاً وحداً من حرية الآخرين ولكنه استدعاء للمضيء في وعيهم، والكامن في طموحاتهم والمتشبث في كينونتهم القيمية والأخلاقية، فهم صباحنا الوسيم، وأفئدتنا الخضراء، وعيوننا التي تقودنا إلى شرفات المستقبل.

>

شاهد أيضاً

سكر الأجاويد في نهار رمضان

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com