المهنة لا تزول.. ولكنها تستحدث

يصاب البعض منا بالخوف الشديد من تبدل أحوال الحياة، والرهبة الشديدة من التطورات التقنية والعلمية، والصناعية المذهلة، التي تحدث هنا وهناك، خشية أن يكون الدور قد أتى عليه؛ ليكون هو أول من سيزاح عن الطريق لتحل الآلة بدلاً عنه.وتلك حقيقة واقعة، بأن من يقف ساهيا متلاهيا، متقوقعا وسط أصداف الماضي، فلا شك بأن القطار سيغادر من حوله، ويتركه وحيدا على أقصى محطات النسيان.

فكثير من المهن تندثر، وتصبح من التراث، ومن لا يستطيع التأقلم مع الواقع، ومن لا يتمكن من كسر غموض الجديد، فهو بلا شك، مهدد بالعزلة والموت جوعا.

يقول أحد المعمرين الأمريكيين، (في صفحات قصة حياته، شارحا استمرار الحياة، وعدم توقفها إلا عند المنهزمين) «كان يوجد في الشوارع الأمريكية في بدايات القرن المنصرم مهنة بائعي الثلج، قبل أن تقوم اليابان بتصنيع الثلاجات وتصديرها للأسواق الأمريكية، مما أدى لاندثار تلك المهنة».ويزيد بحكمة السنين: «ولكن بيع الثلاجات هذه قد أضافت إلى الحياة الأمريكية، مهنة جديدة، وهي مهنة من يصلح تلك الثلاجات، فاختفى بائع الثلج من الشوارع، وظهر على المهن، مسمى أكثر أهمية، وهو فني الثلاجات».وما نشاهده من حولنا من اندثار لبعض المهن، مرتهن بقدرة البشر على التعلم، وسرعة تأقلمهم مع هذه الآلة، من عدمه.

فانظر كم من موظف توقف أمام آلة الحاسوب عاجزا عن فهمه، فطرحه باللكمة القاضية، ولكن انظر في المقابل، كم من مهنة مستحدثة خرجت علينا من خلال هذا المخترع، كهندسة الحاسوب، والمبرمج، والفني، ومن مهن صناعية تقنية متعددة للأجهزة وبرامجها وتطبيقاتها.

وهذا ما نلاحظه في أكثر المجالات الإنسانية، فقيام مؤسسات حقوق الإنسان بالدعوة لإيقاف جميع أنواع الملاكمة والمصارعة الدموية بين البشر، وما يشابهها من المسابقات العنيفة الخطيرة، أوجد الآلة لتحل بديلا عن الإنسان، ففي اليابان، وفي عدد من الدول الغربية أصبحت هذه المسابقات والمنافسات تدار بين الآلة وخصمها الآلة، وهنا نجد دور الإنسان قد ترقى، ليصبح إما مخترعا لمثل هذه الآلات، أو فنيا يعمل في تشغيلها، أو صيانتها، أو برمجتها أو تطويرها، فنجد أن المهن في ازدياد، وتطور وتنوع، مهما كان للآلة من الضحايا على مستوى المهن المندثرة.

وانظر كيف قامت مؤسسات حقوق الحيوان بمنع مسابقات المصارعة بين حيوان وآخر، وكيف أن الآلات حلت أيضا مكان الحيوان، منتجة للبشر العديد من المهن البديلة المصاحبة.الآلة لا يمكن أن تكون وبالا على الإنسان، ما لم تضر بالطبيعة. أما من نواحي العمل، فهي تضفي على حياتنا العديد من المهن المستنبطة، التي تحتاج بشكل أو بآخر للإنسان، ذلك العقل الجبار، الذي لا يتوقف عند حد.

وبنظرة سريعة على مهنة صناعة السينما، نجد أن نسبة كبيرة من أفلام عصرنا أصبحت تؤدى بواسطة الصور المتحركة، أو المضاهاة ثلاثية الأبعاد، أو بواسطة برمجة الحاسوب، وكأن دور الممثل الإنسان بات مهددا بالانقراض، إذا استثني من ذلك استخدام الصوت، ولكن لو حسبت نسبة ما أنتجته هذه النقلة النوعية من المهن الجديدة على مستوى العالم، من مبرمجين، ورسامين، ومصورين، وفنيين، وغيرهم، فستجدها تفوق كثيرا عدد مهن العاملين بالسينما الكلاسيكية.

وطالما أن الشيء بالشيء يذكر، فنسبة كبيرة، لا أستطيع تخمينها، من السعوديين يعملون في أعمال منقرضة، أو أنها موشكة على الانقراض عالميا، كمهنة المدير الإداري المهيب العظمة، صاحب المكتب الفخم، الذي يعمل بحواشيه العشرات من المساعدين، ويقف على بابه عدد من السكرتارية، ويخدمه القهوجية، ويحمل حقيبته وجرائده المراسلون، ويقوم السائق بفتح باب السيارة، والتأكد من إغلاقه، ورفع صوت قناته الإذاعية المفضلة، قبل الانطلاق به لاجتماع اللجنة الموقرة.

ونسبة أكبر من موظفي البطالة المقنعة، ممن لا تعنيهم وظائفهم إلا يوم قبض المرتب، ونسبة أكبر وأعظم، ممن لا يجيدون غير المديح لرؤسائهم في العمل، والترقي، بخطابات التوصية، وحدث بلا حرج، عمن يلتصقون بالكراسي، بتمديد الخدمة، ولا يغادرونها إلا بالموت.

وتصور معي لو اخترع اليابانيون لنا رجالا آليين يقومون بكل هذه المهن، واضطر المتضررون للبحث عن وظائف أخرى، فالخوف كل الخوف أن يقوموا بإفساد الآلة، وجعلها نسخة طبق الأصل عن أسلافها من البطالة المقنعة.

كل شيء يتطور من حولنا، والآلة قادمة، ولكنها ليست وبالا على المهن المفيدة. وحبذا أن تتنبه لذلك الجهات التعليمية، والفنية والتدريبية لدينا، التي مازالت تدرس لأبنائنا بيع الثلج في عربات خشبية.
>

شاهد أيضاً

3 مواجهات غداً في انطلاق منافسات الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين

صحيفة عسير ــ الرياض تنطلق غدًا الخميس منافسات الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين “دوري …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com