أفراحنا .. “المسلحة” !

e87ff9287bf7459b97606599ef8a744bيقول: «كانت بنادقنا معلقة على الجدار، ليس من أجل دفع عدو محتمل، بل من أجل إعلان الفرح بقدوم عيد أو صوم أو مولود أو زواج. كنا نطوّع آلة الحرب من أجل السلام»، كنت مستمعاً له وفق البوح الذي يعزف به عبر جملته السابقة، إنما غاب عن ذهنه، أن آلة الحرب التي يتحدث عنها باتت طقساً من طقوس البذخ الاجتماعي، وآلة يحملها الذي لا يعرف معنى الحرب، وتعصاه قدماه عند سماعها، البندقية أصبحت يا صديقي بيد السفهاء والصغار والمطبلين لتاريخ لن يعود وذكريات من الجهل وانعدام الأمن والحروب التي تولد فجأة وتموت فجأة، البندقية التي كان يذهب رصاصها في ميدان الحروب ذات زمن مضى، يتوزع الآن رصاصها بعشوائية في السماء، ويحدث أن تذهب إحدى هذه الرصاصات لصدر قريب أو جبهة ضيف، وعندها تبدأ مسلسلات الفزعات ومزاد الديات والمتاجرة بالرقاب والدماء.

 حكاية الأفراح المدججة بالأسلحة ليست حكاية طارئة، بل هي حكاية مكررة مشاهدة ملموسة، يدافع عنها المتحمسون بكونها وجاهة للماضي وعبق رجولة أصيلاً، ويعرف العقلاء أنها جريمة الحاضر الذي تذهب معه أجساد بريئة، وأقصى ما تحاول فعله الجهات الأمنية مع تزايد العبث بالأسلحة هو التحذيرات المتكررة والنداءات الدائمة، التي لم يحدث أن انتهت بعقاب مقروء ومعلن، كي يتراجع من بعده وعلى إثره مئات الذين لا يلقون بالاً لهذه التحذيرات، ويرون أنها على صعيد أداء الواجب.

التوجيهات الأمنية لن ترتدي عباءة الحزم إن لم تتقاطع مع عقوبات صارمة يحفظها حامل السلاح عن ظهر قلب، فالحوادث المتكررة تؤكد أن رصاصات الفرح المنتهية بكارثة هي ناتج أنيميا في الوعي المجتمعي مصحوبة بتقاعس عن ملاحقة الذين يركبون رؤوسهم، ويتركون تحذيرات الأجهزة الأمنية حبراً على ورق نزولاً عند «من أمن العقوبة أساء الأدب».

سأكون مباشراً جداً في أن ما يصدر من تعميمات في شأن العبث بالأسلحة في مناسبات الأفراح كثير جداً ومعروف، ولا أحد يجهل ذلك، لكن تطبيق العقوبات للمخالفين والمتساهلين والرامين بالأوامر عرض الحائط تطبيق خجول مطاطي متراخٍ ومنتهٍ عند أول شفاعة بأن هذا من طرفنا ومناسبة الفرح تخص أحدنا وما يشبهها من الجمل التي تُنْهِي أي ملف تحقيق وتغلقه بهدوء.

أما آن لهذه الهمجية أن تتوقف؟ ومتى نتجاوز هذه الثقافة الشعبية المحتوية على طقوس مرعبة؟ وهي مختصرة في أن مجموعة من عشاق «الهياط» يرون أن الرصاص لغة فرح سار عليها الأجداد ولم يعلموا أن بينهم وبين الأجداد مسيرة عام من المقارنة في هذه الزاوية العبثية، وليت أن وزارة الداخلية تحاسب مشايخ القبائل أولاً، فهم الأكثر قدرة على احتواء مشاهد أسلحة الأفراح ولتقل لهم: «قبل أن تدفع بكم المآسي لساحات الشفاعات والوجاهات في قضايا القتل، اقطعوا واحداً من الطرق التي توصل لها كأفراحنا المسلحة إلا إذا كان لا غنى لكم عن هذه الساحات وتحسب من ضروريات العيش فلتدلونا بوجاهتكم عمن يمنع نموها كما أنتم تنمونها بالصمت والخجل وتغليب العادات على التحذيرات والمخاطر».

علي القاسمي

>

شاهد أيضاً

قد ضل من كانت العميان تهديه

بقلم -ظافر عايض سعدان هذا عجزُ بيت من الشعر وسوف نستدل على صدره في ثنايا …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com