وترجّل الفارس “ابن شوية”

 بقلم/ د. سعيد عبدالله ال جفشر

ترددت في الكتابة حتى نضع سفرا يليق بذكرى هذا الفقيد الغالي فقد فجعنا قبله بوفاة الشيخ محمد بن سعد النهاري العبيدي رحمه الله رحمة واسعه و اكتفيت بعزمي على أن أشارك في سفرا يعكف عليه الأستاذ محمد بن أحمد بن معبر حفظه الله لتوثيق مسيرة النهاري لكن عندما قرأت النعي الذي تصدرته الايه الكريمة

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)

و الذي فيه خبر انتقال الشيخ و الباحث والمؤرخ أحمد بن مسعود بن سعيد آل شُويّة، يوم السبت الموافق السابع من شوال لعام 1446هـ، إلى الرفيق الاعلى بعد حياةٍ حافلة بالعطاء العلمي، والنبل الأخلاقي، والوفاء لدينه ووطنه وقبيلته.

تفجر القلب حزنا والعين دمعا على الفارس الأول والثاني رحمهم الله رحمة واسعه واستذكرت معرفة وصداقه معهما تزيد عن عشرون عاما فعزمت أن أكتب هذا التأبين الذي مهما أجتهدت فيه فلن أوفي أبا محمد حقه علي فرحم الله أبا محمد رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وجهد في موازين حسناته، وجبر الله مصاب أهله وذويه ومحبيه.

لم يكن موت رجل عادي او فقيد على هامش الحياة بل ترجل الفارس الأسد الضرغام عن صهوة جواده و لا ابالغ اذا قلت ترجّل العلم، وانطفأ القلم، وانكسر ضلع من أضلاع الذاكرة الاجتماعية والقبلية والعلمية برحيل الشيخ الباحث والمؤرخ أحمد بن مسعود بن سعيد آل شُويّة، الذي لم يكن مجرد اسم في قائمة الباحثين أو مؤلفًا في فهرس الكتاب و مؤلفين الكتب ، بل كان رجلًا نذر حياته لخدمة الحقيقة، وجعل من سطور التاريخ منبرًا لبيان الحق، والرد على الاخطاء، وإنصاف كل موضوع يستحق الانصاف ، وإحياء التراث القديم بعلم ودراية ومنهج أصيل لم يكن يتعمد الخطأ او اختلاق الحقائق بل منهجه المرجع والدليل وتقبل الرأي المخالف بكل ادب و احترام ورقي ومنحه من يعارضه حق الرد العلمي لقد كان مثالا في التعامل الراقي وكان قويا في الحق

ولا غرابة في ذلك، فهو من أسرة آل شُويّة الكريمة، ومن آل الصقر الأجلاء، ومن عبيدة جنب ومن قحطان ومن الجنوب ومن المملكة العربية السعودية التي في كل زاويه من زوايها ناحيه من نواحيها وفي كل قبيله من قبائلها و أسرة من أسرها يرفل التاريخ بالعزّ، ويفوح المجد من بطون الكتب، وتردد الجبال أصداء بطولات منذ الأزل. لقد حمل همّها رحمه الله وتشرّف بالدفاع عنها، فكان لسانها الصادق، وقلمها الأمين، ودرعها المعرفي في وجه محاولات التحريف والتشويه.

ومن بين صفحات حياته النقيّة، لا يمكن أن نغفل جانبًا جوهريًا من شخصيته، فقد كان الشيخ أحمد بن مسعود بن سعيد آل شُويّة — رحمه الله — مدافعًا عن دينه، متمسكًا بثوابته، غيورًا على العقيدة، ناصحًا بالحكمة، ومنافحًا عن الوسطية والاعتدال، ساعيًا في كل ما يخدم الإسلام والمسلمين، بالكلمة الصادقة، والطرح المتزن، والمواقف النابعة من علم وفهم ورسوخ.

وكان في الوقت ذاته مخلصًا لوطنه، وفيًا لقيادته، يعتز بانتمائه لبلاد التوحيد المملكة العربية السعودية، يثمّن مكتسباتها، ويشيد بإنجازاتها، ويقف بوضوح في صفها، ويدافع عنها بعقله وقلمه وقلبه، في كل منبر، وفي كل موقف، فكان يُجسّد بصدق صورة المواطن الصالح، المحب لدينه، والوفيّ لقيادته، والمخلص لأمته.

 

لقد كان — رحمه الله — لا يُفرّق في نُصرته بين الحق حين يكون دينيًا أو وطنيًا أو قبليًا، بل كان يراه متّحدًا في جوهره، فالدفاع عن الدين، دفاع عن الوطن، والدفاع عن القبيلة بصدق، دفاع عن النسيج الوطني المتماسك، وهكذا عاش ثابتًا على المبدأ، لا يُثنيه مدح، ولا يُرغمه نقد، متزنًا في طرحه، مؤثرًا في بيئته، محبوبًا في محيطه.

 

فرحمة الله عليه، وجزاه عن دينه ووطنه وقبيلته خير الجزاء، وجعل ما قدّمه شفيعًا له يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

 

لقد كان الأخ أحمد مدرسةً في الوفاء، وصورةً ناصعةً للباحث النزيه، والمؤرخ الأمين، والصديق الصدوق. صادقناه فوجدناه أخًا كريمًا، ناصحًا، صادقًا، منصفًا، كريم النفس، رحب الصدر، عالي الهمة، رقيق المشاعر. وخاصمناه – في اختلفنا معه – فكان شريفًا في خصومته، نبيلًا في عباراته، راقيًا في أسلوبه، أديبًا في طرحه، لا يجرح، ولا يشهر، ناصحا أمينا ومتقبلا للنصيحة وكان بأخلاقه يمثل أسرته، وقبيلته، ومجتمعه ومنطقته وقبيلته خير تمثيل فاصلا بين العلاقات الشخصية وبين الاختلافات العلمية وانا في ذلك شاهد عيان بل ووجدته في كل صوره نعم الرجل رحمه الله رحمة واسعه

رحم الله أبا محمد ، ما عُرف إلا بالخير، وما ذُكر إلا بالفضل. وكان صائمًا يوم أن لبّى نداء ربه، صائمًا لله، راحلًا على طُهر، تُبشره بإذن الله الملائكة بنعيم مقيم، فما أعظم خاتمته، وما أجمل ذلك الرحيل المطمئن، وكأنما قد أتم رسالته.

 

خلّف الشيخ أحمد إرثًا علميًا ومعرفيًا نفيسًا، من أبرز آثاره:

•“درر العقود الفريدة في تاريخ جنب وعبيدة”:

•“الضياغم بين المصادر التاريخية والروايات الشفهية”:

•“عائذ في التاريخ”:

•“معاوية الخير بن عمرو الجَنَبي”:

•إلى جانب ذلك، كتب عشرات المقالات العلمية التي توزعت بين البحث في تاريخ عسير، وتحليل تحورات القبائل جينيًا، ومناقشة العلاقات القديمة بين جنوب الجزيرة والحبشة، فضلًا عن الردود القوية المدعومة بالحجة على محاولات تزييف النسب أو التاريخ، ووضع الأمور في نصابها، بموضوعية وشجاعة وصدق. وله مقالات علمية وتحقيقات تاريخية تركت أثرًا كبيرًا في إثراء المكتبة التاريخية لقبيلته، ولمنطقة عسير، ولمجمل تاريخ المملكة العربية السعودية.

لقد كان – رحمه الله – مدافعًا شجاعًا لا يرضى التزييف، ولا يساوم في الحقيقة، يُناظر بالحجة، ويردّ بالبينة، ويواجه بعلم وأدب كل من يتجرأ على طمس معالم الحقيقة التاريخية . لم تكن رسالته حكرًا على قبيلته، بل كان لكل قحطاني، ولكل باحث، ولكل قارئ منصف، معينًا وسندًا.

إن رحيله خسارة جسيمة، ولكن عزاؤنا أنه ترك أثرًا لا يزول، وذكرًا لا يُمحى، وسيرةً عطرة باقية، وأن ما كتبه وما دافع عنه وما أفناه من عمره في سبيله، في ميزان حسناته بإذن الله.

رحمك الله يا أبا مسعود، رحمةً واسعة، وجعل الجنة دارك وقرارك، وأثابك عن ما قدّمت خير الجزاء، وألهم ذويك ومحبيك الصبر والسلوان، وجبر كسرنا بفقدك، وبارك في خلفك وأثرك،

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شاهد أيضاً

كذا يرضيك يا دنيا جحود ونكران

بقلم/ إبراهيم العسكري قبل بضعة أيام، صعدنا لديرتي التي تحوي قرى عديدة تتخللها قرى قبيلتي، …

تعليق واحد

  1. محمد حامد الجحدلي

    لا فض فوك دكتور سعيد عبدالله بن جفشر في رثائك لهذا العلم في دينه وعلمه وتعامله فقد جاد قلمك بما أنت له أهلا من مكانة ودراية علمية بسير الرجال ومن هُم بحجم ومكانة الفقيد الراحل المؤرخ أحمد مسعود آل شويه فمن خلال سرد سيرته العلمية والحياتية التي أشرت إليها في هذا الرثاء فقد أوفيتم حقه وكأني أعرفه من عشرات السنين وتعايشت معه طالبا أنهل من فيص علمه فعظم الله أجركم وعظم الله أجر أهله ومحبيه وكل من عرف فضله رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com