“اقلب ويهك”

“فك امدلو واقلب ويهك”، بهذه الجملة أنهت سيدة الماء محاولات التقرب التي مارسها عبدالرحمن أبو ملحة، عند بئر عتْود، التي كانت “تموّل نصف سكان مدينة أبها بالماء الذي كان يحمل بالقرب على ظهور النساء، أو بالزفّة على أكتاف الرجال”.

“اقلب ويهك”، أو “اقلب وجهك”، هو العنوان الذي اختاره أبو ملحة لمجموعة من ذكرياته، أو مذكراته، لتكون هذه المجموعة أنموذجا للتاريخ الاجتماعي الذي يعتمد على السرد أكثر من اعتماده على التحليل.

اثنتان وعشرون حكاية، أو اثنان وعشرون موقفا، أو اثنتان وعشرون لوحة حواها كتاب: “اقلب ويهك”، لتشكّل مجتمعة صورة للحياة في أبها أيام اخضرارها، واخضرار قلوب أهلها.

قارئ الكتاب يشعر بأن الحنين إلى الزمن الماضي وأيام الطفولة هو الدافع الأكبر نحو الكتابة، على الرغم من يسر الأسلوب، وبساطة الأدوات اللغوية، وكفى بالحنين دافعاً نحو كتابة آسرة، لأنه متصل بالوجدان لعلاقته القوية بقضيتي: الزمان والمكان؛ والزمان متعلق بحياة الإنسان، بل إنّه يكاد يكون الحياة ذاتها، فالإنسان يعْبر الزمن في تحولات متتالية تشكّل حياته.

“اقلب ويهك”، حياة في الماضي، أو مرآة عاكسة لزمن ولّى، ولذا يتلذذ القارئ تفاصيل حكاياته؛ ذلك أن تناول الزمن الماضي إنما هو نوع من التوق الوجداني؛ سواء أكان هذا التّوق إلى الأماكن المفقودة بالابتعاد عنها، أم إلى الأزمنة المنقضية، أم إلى استشراف أزمنة في المستقبل، تكون ذات صلة بالماضي، أم إلى المجهول، أم إلى غيرها من العناصر التي يلجأ الإنسان إليها هارباً من الواقع.

ليس من الممكن تصنيف “اقلب ويهك”، فليس قصصا قصيرة، وليس مقالات، وإنما هو أقرب إلى الحكايات، بيد أن المهم فيه هو قضية الزمن، بما تعنيه من التحولات المجتمعية، والتغيرات المكانية، ليصبح الحنين إلى الزمن نوعا من الغربة النفسيّة، تلك التي تجعل الإنسان يرى في أحداثٍ دارت في زمنٍ مضى إضافة، ويتمنّى عودة الماضي. وهي تتداخلُ مع الشكوى الناجمة عن القلق من الحاضر، والشعور بالحيف، بل إن الحنين إلى الزمن الماضي يمكن أن يكون موقفاً رافضاً لقيَم الحاضر، وما يتبعُ ذلك من اضطراب ثقة الإنسان في من حولَه، نتيجة عدم قدرتِه على التكيّف مع البنية المجتمعيّة الجديدة.

لهذا النوع من الكتابة نظائر في غير مكان، وهي تحتاج إلى دراساتٍ تطبق المنهج النفسي، ولا تلتفت كثيراً إلى الأساليب، لأنها دون أن تكون إبداعاً لغوياً، على الرغم من حضور عنصر المتعة.
>

شاهد أيضاً

اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين

شعر : علي محمد فهد المشعلي اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين شعارنا اللي فاق …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com