عسير المجهولة؛ حقّي عن علوان أنموذجاً

كانَ محمّد علوان من أسبق كتّاب القصّة في عسير إلى النشر في الصحافة, وإلى طباعة مجموعةٍ قصصيّة بعنوان: “الخبز والصمت”, صَدرتْ سنة 1397هـ, وكتبَ مقدّمتَها الأديبُ المصريُّ الكبير يحيى حقّي, الذي لم يكن يعرف الكاتب معرفةً شخصيّة كما يؤكّد الدكتور منصور بن إبراهيم الحازمي في كتابه: “فنّ القصّة في الأدب السعودي الحديث”, (ص 133), ممّا منحَ هذه المجموعة اهتمامَ الباحثين في القصّة السعوديّة عبر السنوات اللاحقة, فكانت من المجموعات التي اعتمد عليها الدارسون الأوائل في القصّة السعوديّة, من أمثال: الدكتور منصور الحازمي في كتابه: “فنّ القصّة في الأدب السعوديّ الحديث” ( ص 131, 132, 133, 134, 135, 136,) والدكتور نصر محمد عبّاس في دراسته عن البناء الفنّي في القصّة السعوديّة, حيث وردتْ عند المؤلّف في غير تيّار من تيّارات الوعي في القصّة السعوديّة (, ص 88, 169), واتصلَ الاهتمامُ بها في العديد من الدراسات المحلّية والعربيّة التي تهتمّ بأثر المكانِ في الفنّ, إذ كان أثرُ البيئة العسيريّة ظاهراً عند علوان في هذه المجموعة, وفي مجموعتيه اللاحقتين, يقول الدكتور مسعد أحمد مسرور في العدد 14578 من جريدة الجمهوريّة اليمنيّة : “القاص محمد علي علوان في قصصه القصيرة ينهل من معين البيئة المحلية بيئة جنوب المملكة العربية السعودية عسير وخاصة أبها والقرى المجاورة لها، واستطاع بدقة ومهارة فائقة من رسم تضاريس القرية الجنوبية وسكانها وعاداتهم الغارقة في محلّيتها وطقوسهم المتوارثة جيلاً بعد جيل وتراثهم الشعبي الغني الضارب جذوره في أعماق التاريخ”, وهو مالاحظته الباحثة منال بنت عبد العزيز العيسى, وأشارتْ إليه في دراسةٍ بعنوان: “صورة الرجل في القصّة القصيرة في المملكة العربيّة السعوديّة, 1390 1416هـ”, (ص 93), وأكدت عليه في نماذج أخرى من قصصه, وهي السمة التي استمرّت معهُ في مجموعته التي صدرتْ سنة 1419هـ بعنوان: “دامسة”, التي وصفَها ممدوح القديري بقوله: “تتكوّن مجموعة الأستاذ محمد علوان القصصيّة من عشر قصص تدور في فلك الواقع, وعميقاً في البيئة المحلّية التي اهتمّ بها وبحياة النّاس في المجتمع الذي يعيش فيه وبين ظهرانيه, فذكَر الجبال والوديان والتنّور والسويق وشرب الشاي ونار الفرن وطعم العسل” (“مبدعون من عسير في القصّة القصيرة”, ص 78).

ومن الغريب أنّ الأديب المصريّ يحيى حقّي لم يتنبّه في مقدّمته على مجموعة: “الخبز والصّمت” إلى أثر البيئة المحلّية, وخصائصها الجغرافيّة, حيث يقول: “ألسْنا نجدُ في هذا المجتمع الصحراويّ كما صوّرتْه هذه المجموعة خلاصة كلّ المشكلات التي تعاني منها البلاد” (” الخبز والصمت”, (مجموعة قصصيّة”, ط2, ص 8), فقد توهّم حقّي أنّ الكاتبَ يكتبُ مصوّراً بيئة الصحراء, بينما هو يصوّر بيئة الجبال, وهذا الوهم كان مدار استغراب بعض أدباء عسير, يقول الأديب أحمد عسيري: “وكم أذهلني هذا الرأي فمحمد علوان في مخياله السردي متخم بالقرية ومولع بها وبأنفاسها في نسيج يتماهى مع أدقّ فضاءاتها ، حين يتسلل إلى كينونتها ويستدعي طقوسها فيتجلّى حضورها المفعم بالفرح والحزن والمكابدة العاتية في كلِّ تفاصيل خطابه السردي . وبوحه المنهمر كأمطار السوده”, )”جريدة الوطن”, محمد علوان بين الخبز والصّمت, أحمد عسيري, ع 3046, س 9, (السبت 5 صفر 1430هـ – يناير 2009م)

ولا يبتعد محمد علوان عن المكان في مجموعته القصصيّة الثالثة: “الحكاية تبدأ هكذا”, الصادرة سنة 1403هـ, فهو من عسير وإليها, ولكم أنْ تتأمّلوا كيف انسحبتْ فكرة الصحراء والتصحّر لتشملَ بلادنا كلّها, بينما الواقع غير ذلك, وهو مايقعُ فيه الكثيرون من الباحثين العرب, وأخصّ المصريين الذين لم يستوعبوا التباين البيئي الذي يسمُ المملكة العربيّة السعوديّة, بل ويسمُ جزيرة العرب, حتّى بلغ الأمرُ بإحدى الباحثات أنْ صنّفت عن الشنفرى كتاباً عنوانه: ” الشنفرى, شاعرُ الصّحراء الأبيّ”, وأين الشنفرى عن الصحراء, وكيف تتمّ إذابةُ الأماكن إذابة تجعلُ الرمالَ تزحفُ على كلّ شيء.

والحقّ أنّ البيئة واضحةٌ في جلّ نصوص محمد علوان القصصيّة ( الريف, الأسواق, المزارعون, الوادي المليء بالأشجار, الجبال الخضراء, اللهجة العسيريّة في الحوار)

وسأكتفي – كسَلاً -بمقطع من قصة بعنوان: “خضراء” , إذ كتبَ علوان : ( خضراء.. خضراء..ليست شجرة ولكنّها حبيبتي..وهكذا كانوا يسمّونها.. وكنتُ أحسُّ بنشوةٍ غريبة. فها قد أصبحت بطريق غير مباشر مثل شعراء القرية الذين لا يحلو لهم سوى التغنّي بالأخضر.. ولا أدري أهو ارتباطٌ بهذه الجبال الخضراء.. الرائعة التي لا تمنحهم سوى متعة النّظر وإشعال النّار واتخاذ السواك !!), ونظائر هذا المقطع كثيرة, بل إنّ الأجواء العامّة لجميع النصوص ريفيّةٌ عسيريّةٌ خالصة .

إنّ النقصَ المعرفيَّ الواضح عند أديبٍ بحجم يحيى حقّي عن البلاد السعوديّة, وعن عسير على وجه الخصوص يستدعي السؤال عن أسبابه؟ وهل هي ما تزالُ قائمةً, أم أنّ وسائلَ الاتصال بعد مايزيد على ثلاثين عاماً قد جعلت الصورة أكثر وضوحاً؟ وهل كان لنا دورٌ في ذلك النقصِ المعرفي الذي يجعلُ من وطنٍ بحجم قارّة بيئةً جغرافيّة وثقافيّة واحدة ؟!

>

شاهد أيضاً

اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين

شعر : علي محمد فهد المشعلي اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين شعارنا اللي فاق …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com