“حارس السنبلة”

الشاعر محمد زايد الألمعي، مختلف حتى حين يسير على الطريق التي سار عليها الآخرون؛ فلما أراد أن يرثي صديقه، رثى أباه، بعد أن عجز ـ كما يبدو ـ عن رثاء أبيه، عجزا ناجما عن هول الصدمة، لكنه شاعر، ولا بد للتجربة الشعورية من أن تظهر مهما حاول الفرار منها، ولذا فإنه حين رثى أحد أصدقائه من الساسة اليمنيين بعد اغتياله، عاد ـ بشعور منه أو دون شعور ـ إلى رثاء أبيه، بقصيدة اعتمد فيها على الإيحاء بشكل كبير، فضلاً عن تكثيف الصور الشعرية، فشبه نفسه عند وداعه ـ في الليلة التي سبقت وفاته ـ بطفل خجول، لأنه تردد في وداعه وارتبك، مما يشي بأنه كان يشعر أن ذلك الوداع سيكون الأخير، ثم إنه يربط بين مقتل صديقه، ومقتل أبيه الذي كان نتيجة حرصه على مزارعه، ولذا سماه “حارس السنبلة”، وهو عنوان القصيدة، والجامع بينهما أن أباه مات مقتولاً يحرس السنابل، وصديقه مات مقتولاً يحرس المبادئ التي آمن بها، فكانت حراسته لها شبيهة بحراسة السنابل، وفي هذا الربط، تظهر ذات الشاعر واضحة؛ فهو يتألم لفقد أبيه وصديقه مقتولين، وكلاهما يحرسان شيئاً عزيزاً، ثم إن الألمعي لم يستطع التخلص من الربط بين الفقدين والفقيدين، مما يوحي بأن مقتل صديقه كان سبباً في تجدد جرح مقتل أبيه، وهذا يجعل من القصيدة ذاتية خالصة؛ ذلك أنه لم يذهب إلى تصوير مناقب المرثي، وإنما كان تركيزه على تصوير الألم المضاعف الذي يشعر به، والوحدة الرهيبة التي آلت إليها نفسه بعد رحيل صديقه، وهي الظاهرة في أكثر من جملة من مثل: “غافلتني بالرحيل، هكذا خنتني، ألقيتني في الظلام”. يقول:

لماذا تلكأتُ عندَ وداعِك مُرْتبِكاً،

مثلَ طفلٍ خجولْ؟

وقلتُ سَأكذبُ

أنْ سوفَ ألقاكَ بعدَ غدٍ،

فاسْتبقتَ انتظاريْ،

وغَافلْتني بالرَّحيلْ

لماذا تعجّلْتَ موتَكَ مُمتطياً زهوَ هذا الصَّهيلْ؟

ياصَدِيقي أجرْني،

لأقترحَ الآنَ معنىً لموتِك، غيرَ البكَاءْ

هل أسمّيك، مثلَ أبي، حارسَ السُّنبلةْ؟

ربما…؟

إلى أن يقول:

هكَذا صَمَتَتْ دُورُ صَنعاءَ

واحتارَ ماذا يقولُ اليَمَانونَ، بعدكَ،

عندَ استواءِ المَقيلْ

هكذا خُنتني،

أيُّها البرقُ،

ألقَيتني في الظَّلامِ،

ومِلْتَ إلى الأرْضِ،

كيما تَميلَ إلى اللهِ،

معتمراً ضوءَه الأبديَّ،

ومكتملاً في الجِوارِ الجَليلْ

ويلحظ المتأمل في هذه القصيدة أن المخاطب هو المرثي، منذ بدايتها حتى نهايتها، وهو ما يجعل من الرثائية حواراً مع المرثي، تظهر فيه علامات ما كان بين الشاعر والراحل من المودة والألفة، مما يوحي برغبة خفية في أن يستمع المرثي إلى الخطاب، وذلك ما لا يكون إلا في أمنيات الشاعر، لكنها الرغبة الدالة على عمق الآصرة، وحجم الفقد.
>

شاهد أيضاً

3 مواجهات غداً في انطلاق منافسات الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين

صحيفة عسير ــ الرياض تنطلق غدًا الخميس منافسات الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين “دوري …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com