من نواقض الجنادرية

أجبتُ سائلي العربي بكل صدق بأن اسم (اليمامة) ذو عبق تاريخي ولا عبق للجنادرية، وأن لدينا أخرى مناطقية كعكاظ وقس بن ساعدة في نجران. لكنني سأتحدث عن بعض نواقض المهرجان باعتباره واقعا منطلقا من محاور ثلاثة:

أولها: موروثنا الشعبي ومدى حضوره في الجنادرية.

فعلى أن موروثنا الشعبي -من المهن والفنون القولية والعملية- هو المقصود الأساسي في المهرجان، فهل مُثّل هذا فعلا خلال المهرجانات السابقة والتي كانت -ولا شك- جيدة كفعل ثقافي بغض النظر عن موضوعيّتها ومدى تقويم أدائها؟

لم أزل أزعم أن الفعاليات في كل المهرجانات الماضيات كانت تعتمد على اجتهاد أشخاص هم الصف الثاني في هرم المسؤولية، وليس لها آلية ثقافية واضحة معلنة.

فأنت -كقائم على مثل هذا المهرجان- تمثل ثقافة شعب، واجتهادك الشخصي مهما كان، لايؤهلك للأداء الكفء (وهو دقة وعدالة الاختيار هنا)، واعتمادك على أشخاص أيضا لا يعتبر آلية ثقافية حقيقية تمثّل الشعب، بل آلية تنفيذية تخضع لمستوى وعي ومصالح أشخاص أكثر منها على وعي أمة وإرثها الثقافي.

فالأوبريتات كانت تمثّل نظرة أحادية فردية لا وطنية، بل يُعنى الشاعر بالأشخاص أكثر من الوطن.

وأداء الفنون الشعبية التي شاهدناها يمثل اجتهادات مجموعات جميلة من شباب المناطق، ولا يمثل جوهر التراث، فقبائل ثقيف مثلا لاتزال تعيش تراثها، وليست محتاجة إلى من يمثله من هواة قد لا يعيشون تلكم الحياة، فما الذي يمنع المهرجان من أن تكون الفرق الشعبية شعبية حقيقية غير تمثيلية، وأن يكون (الأوبريت) مركّبا تركيبا شعبيا حقيقيا من مناطق المملكة، ممثلا ثقافات هذا البلد الواسع، غير مركّز على احتفالية ذات خطّ رسميّ وحيد يختصر الشّعب في هذه الرسمية.

إن تراثنا الواسع المتنوع لم يقدّمْ بعد، لا من قبل المهرجان المحدود الزمان والمكان، ولا من قبل الجهات الأخرى المعنية كوزارة الثقافة، وعليه يصدق القول بأنه نص أدبي عربي ضخم لم يكتب بعد.

أما ثانيها فهي: الآلية التي أراها لتقديم المهرجان تراثَنا الشعبيّ الحقيقي كروح لشعبٍ -لا ككائن محايد- فهي تتلخص فيما يلي:

-1 أن تكون أهداف المهرجان واضحة معلنة للكل، من تقديم تراث المملكة الثقافي شعبيا أو(عربيا نخبويا)، بحيث تتقدم المناطق بما لديها بعد أن تكون قد أقامت في مناطقها مهرجانات مصغرة تمثل ثقافات مناطقنا الثرية، ويطلق على كل واحد منها رمزٌ ثقافيّ تاريخيّ يخص المكان كـ(قس بن ساعدة في نجران – عكاظ القائم أساسا في الطائف)، على أن يكون هناك تنسيق كامل مع وزارة الثقافة وأنديتها الأدبية والجمعيات، ويتم من خلالها اختيار التمثيل. هنا نستطيع القول بأن المنتخب من المناطق يمثل الوطن الكبير الثري تمثيلا يستحق ما يُصرف.

-2 البعد عن النمطية الواحدة التي اعتاد عليها منظموه، وهذا لن يتأتى إلا بأن يكون المنظمون ممثلين تمثيلا عادلا بين مناطق المملكة، وإذا كُرِّسوا في منطقة واحدة فالتمثيل لها ولها فقط، ولن يتحقق ما نرجوه من شمولية المهرجان ثقافة الوطن.

-3 أن تكون الفرق المشاركة شعبية فعلا، وتشرف على تنظيمها فروع جمعية الثقافة والفنون في مناطق المملكة، وأن يدخل (الأوبريت) ضمن هذا، وليس شرطا أن الكلمة أو اللحن تكون ترشيحيّة لشخص ما بإرادة شخصية، بل تكون الكلمة واللحن من كل منطقة يؤديها أهلها وتختار لجنتها كلماتها، وبذا يشعرون بروح الأداء المنتمي إلى قلب المؤدي والشاعر والملحن، وما لم يتم اختياره للمهرجان فيكفي أن كل منطقة قد أفادت في إحياء تراثها في مقرها.

والثالث: الدعوات للمشاركة أو الحضور:

فما المعايير التي تحكم الدعوة؟ وما جدوى حضور غيرالمهتمين؟

إن وجود لجنة للإشراف والتخطيط تمثل الوطن فعلا سيحل هذه الإشكالية بأن يتحمل فريق كل منطقة مسؤولية من يُدعَى مشاركة وحضورا. وعليه سيكون مهرجانا وطنيا.

ويحسبُ لجنادرية 27 هنا أمران: إيقاف (أوبريت) هذا العام تضامنا مع ما يحدث في عالمنا العربي، وهذا الفعل يمثّل صميم الشيم العربية، وأعده شخصيا إحدى قيم تراثنا العربي الذي جسده هذا الإلغاء.

كما يحسبُ له: إقامة الأمسيات الشعرية في أندية المناطق الأدبية، وإن كان غير كاف إلاّ بتطبيق كامل الفعاليات.. وتخلفني عليكم العوافي.
>

شاهد أيضاً

اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين

شعر : علي محمد فهد المشعلي اللّٰه ُ أكبر كلمة الحق والدين شعارنا اللي فاق …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com