
تقرير صحفي – صحيفة عسير – ظافر الشهراني
في قلب الجنوب النابضّ ، وعلى إِمتداد أرضٍ شهدت تعاقب الحضارات وتحوّلات الإنسان في جنوب الجزيرة العربية، يقف موقع جُرش الأثري شاهدًا حيًا على عُمق التاريخ وثراء المكان، ومثالًا واضحًا على أن عسير لم تكن يومًا هامشًا في الجغرافيا أو التاريخ، بل مركزًا نابضًا بالحياة والتجارة والثقافة والمهارة والحرفة والتخطيط الهندسي البديع.
يُمثل موقع جُرش أحد أهم المواقع الأثرية في منطقة عسير، ليس فقط من حيث قِدمه الزمني، بل من حيث الدلالات الحضارية والاقتصادية والدينية الاجتماعية التي يحملها.
يقعُ بمحافظة احد رفيدة جنوب خميس مشيط بنحو خمسة عشر كيلومترًا، ويحتل موضعًا استراتيجيًا بين الجبال، حيث يقع بين جبل حمومة الأثري وجبل شكر. وعلى مسار طرق قديمة ( البخور التجارة ، الحج)ربطت جنوب الجزيرة العربية بغربها وبشمالها، الأمر الذي جعله محطة عبور واستقرار في آنٍ واحد.
تُشير نتائج أعمال التنقيب والدراسات الأثرية إلى أن جُرش كان مأهولًا منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، واستمر الإستيطان فيه عبر فترات متعددة، من عصور ما قبل الإسلام، مرورًا بالعصر الإسلامي المبكر، وصولًا إلى فترات إسلامية متأخرة. هذا الامتداد الزمني الطويل لا يعكس مجرد بقاءً سكانيّ، بل يدل على قدرة المكان على التكيّف مع التحولات السياسية والدينية والاقتصادية.
وقد كشفت الحفريات عن معالم معمارية كبيرة، من أبرزها بقايا حصن ضخم، ووحدات سكنية منظمة، ومسجدين يعود أحدهما إلى العصر العباسي، إضافة إلى أنظمة متقدمة لإدارة المياه والري، وهو ما يؤكد أن جُرش لم يكن تجمعًا عابرًا، بل مدينة ذات تخطيط ووظيفة واضحة. كما عُثر على أدوات حجرية، وقطع فخارية، ونقوش إسلامية، تعكس تفاصيل الحياة اليومية، والجانب الروحي، والنشاط الاقتصادي لسكان الموقع عبر العصور.
وتبرز الدلالة الأهم لموقع جُرش في كونه مركزًا تجاريًا وصناعيًا قديمًا، ارتبط بصناعات متعددة كالحرف اليدوية مثل صناعة الأسلحة وصناعة الجلود والزراعة ، واستفاد من موقعه على طرق القوافل لنقل السلع والبضائع. هذا الدور التجاري يمنح الموقع قيمة إضافية، إذ يربط تاريخ عسير المحلي بالسياق الاقتصادي الأوسع لشبه الجزيرة العربية.
أما من الناحية الدينية، فتشير الروايات التاريخية إلى أن أهل جُرش دخلوا الإسلام في السنة العاشرة للهجرة، وهو ما يمنح الموقع بُعدًا روحيًا، ويعكس سرعة تفاعل المجتمعات الجنوبية مع الدعوة الإسلامية.
اليوم، ومع استمرار أعمال التنقيب والتوثيق بإشراف الجهات المختصة، يتجه موقع جُرش ليكون موردًا علميًا تاريخياً وسياحيًا وثقافيًا وإرثاً ذا دلالات عميقة ، لا يقتصر دوره على عرض الآثار، بل على إعادة قراءة تاريخ المنطقة، وإبراز مساهمتها في تشكيل الهوية الوطنية. فجرش لا يروي قصة حجر وجدار فحسب، بل يحكي سيرة إنسان عاش، وتاجر، وبنى، وآمن، وترك أثره في المكان.
إن الحديث عن جُرش هو حديث عن ذاكرة عسير العميقة، وعن جنوبٍ كان حاضرًا في مسارات التاريخ، وعن موقعٍ لا يزال قادرًا على تقديم الكثير للباحثين والزوار وصناع الثقافة، بوصفه أحد المفاتيح المهمة لفهم تاريخ الإنسان في هذه الأرض.

عسير صحيفة عسير الإلكترونية